الصدى الأدبي

بين “نظرةٍ ونبرة” تولد الحكايات

بقلم / أحمد القاري
المدينة المنورة
a.a.qari@hotmail.com

كانت تلك النظرة يداً حانية امتدت إلى قلبه، تربت عليه بنبض رقيق، ثم استقرّت في بُطينَيه وأذَينَيه الأيمنين والأيسرين.. عيناها الجميلتان، قصةٌ كاملة، فيها دهشة البدايات وارتباك الاعتراف، وفي انحناءة حاجبيها وعدٌ لا يمكن وصفه، ولكنه يُفهم من بين السطور !
توقّف عندها.. يتأمل لوحة الإبداع الرباني، وتمنى أن يقتنيها.. وحدثته نفسه بلا صوت : هذا الحسن ثمنه غالٍ.. كانت تقف شامخةً كأنها جميلة من جميلات نجد، فانصرف وهو يتمتم : لا تطمح في الثمين فقيمته تفوق توقعاتك ! ولكنه ألقى عليها تعويذته بكلمات يسيرة، لأن روحه سبقت قراره، وحبه جدّد إصراره.

وقد أنشدتُ مرة فقلت :

عيناكِ لو نظرتني ذبتُ من ولهٍ
فكيف بالثغر لو أسقى بسُكّره

وإن من حاجبيها السيفَ متخذٌ
جمالَ مَيلته ونظامَ عسكره

ومشمشُ الخدّ مفتونٌ به نظري
حلوُ اليُنوع بديعٌ في تكوّره

وفي الجهة الأخرى، لم يكن صوته حنجرة وهواء.. كان دفئاً يتسلل إلى قلبها بهدوء، كأن كل حرفٍ ينطقه يعرف طريقه إليها.. نبرته وهو يتحدث إليها بكلمات مختصرة جداً؛ كعزف الألحان على أوتار قيثارة.. لامست شيئاً عميقاً فيها، شيئاً لم تكن تعرف أنه ينتظر هذا الصوت تحديداً .. فأحبّ عينيها في (نظرة) وأحبّت صوته في (نبرة).
وهكذا، دون اتفاقٍ مسبق، التقيا في منتصف الطريق؛ هو أسير نظرة، وهي رهينة نبرة.
وما أجمل أن يُؤخذ القلب بلا تكلف.. أن يبدأ الحب خفيفاً كلمحةٍ ونغمة، ثم يكبر حتى يصبح أوطان العالم كلّه.

قصة غرام فيها نعومة ذكية.. “نظرة ونبرة” كلمتان لطيفتان، ثنائية لو انكتبت صارت توقيعاً خاصاً، وشيئاً يُحفظ كسيمفونية موسيقار ، وكأنّ العيون تُبصر ما تعجز عنه الكلمات، وكأنّ الأصوات تقول ما تخفيه القلوب.. فالتقيا على موعدٍ مكتوب لقاءَ الأكابر ، وعلى قدرٍ جميل قرر أن يبدأ الحكاية بنظرةٍ فنبرة.
سأقلل من الجماليات الأدبية هنا، فالجمال أحياناً في الإيجاز .. ولا أرى داعياً لأن تتباهى كل العبارات .. فبعضها لو همست وكأنها لمست، وبعضها لو نظرت أسرت.
هكذا هي البدايات، عينانِ نضّاختان.. وحنجرة تعزف ألحان ناي ..

وفي هذا قلتُ :

سائليني يا مناي
عن حنيني وهواي

عن أنين راح يعلو
حاكياً ألحان ناي

كلما جلجلت أدعوكِ
ترددتِ صداي

كيف أخشى من قضاي
طالما ( إنتي معاي ).

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى