مقالات و رأي

‏~ زمن الأقلام المستعارة

د. شاكر محجوب

في الآونة الأخيرة، تملكت الكثير منا دهشة مباغتة أمام شاشات هواتفنا، ونحن نرقب تحولاً درامياً في لغة بعض الأقلام التي كنا نعهدها بسيطة، متعثرة، أو حتى متواضعة في مفرداتها وخيالها. فجأة، وبلا مقدمات زمنية منطقية، استيقظ هؤلاء بعباءة الحكماء وجزالة الفصحاء، يخطون نصوصاً تضج بالرونق وتفيض بالفلسفة، وكأنهم ورثوا محبرة المتنبي أو استعاروا ريشة الرافعي بين عشية وضحاها. هذا التطور المريب في سرعته طرح سؤالاً ملحاً في الأوساط الأدبية والرقمية.. هل نحن أمام نهضة إبداعية فطرية، أم أن هناك سراً يختبئ خلف الكواليس..!؟
الحقيقة أننا نعيش عصر الموهبة المستعارة التي وفرتها أدوات الذكاء الاصطناعي، تلك التي منحت الجميع القدرة على تطويع الحرف وتنميق الجملة ببراعة مذهلة. لم يعد الكاتب مضطراً لتمزق مسوداته لسنوات أو لقضاء ليله بين أمهات الكتب ليصقل بيانه، بل بات يكفيه ومضة من فكرة، لتقوم الآلة بصياغتها في قالب أدبي فاخر. هذا الرونق الذي نراه هو في الغالب نتاج خوارزميات بارعة في محاكاة الأنماط البشرية، لكنها تظل قشرة خارجية براقة تفتقر في كثير من الأحيان إلى حرقة التجربة أو نبض الشعور الحي الذي لا يمكن أن يولد إلا من رحم المعاناة الإنسانية الصادقة.
ومع ذلك، فإن هذا الانكشاف التقني يضعنا أمام مفترق طرق أخلاقي وجمالي، فبينما يرى البعض في هذه الأدوات وسيلة لتمكين العقل من التعبير عما يعجز اللسان عن وصفه، يخشى آخرون من ذوبان الهوية الشخصية للكاتب في محيط اللغة الآلية الباردة. إن الجمال الحقيقي الذي ننشده في الكلمة ليس في ضخامة مفرداتها، بل في تلك الرعشة الخفية التي تصل من قلب الكاتب إلى قلب القارئ دون وسيط تقني. فالقلم الذي يسلك طريق التطور الطبيعي، الذي يخطئ ويصيب، ويتعثر ثم يستقيم، هو القلم الذي يملك حق البقاء، لأن الصدق الفني هو العملة الوحيدة التي لا يمكن تزييفها مهما بلغت دقة الذكاء الاصطناعي.

‎@shaker_mahjou

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى