13 تهديدًا بالقتل… وموسوعة وُلدت بين الرياض والقاهرة؟!

بقلم/ هيثم عبدالحميد
لم يكن مشروع الدكتور عبد الوهاب المسيري مجرد عمل أكاديمي تقليدي، بل رحلة فكرية شاقة امتدت لأكثر من عقدين، وواجه خلالها تهديدات مباشرة بالقتل من جماعات صهيونية متطرفة، بينها رسائل صادمة من نوع: “حفرنا لك قبرًا يليق بك”. وبين سرقة مسودات في الولايات المتحدة والقاهرة، وُضع المفكر المصري تحت حماية أمنية، لكنه واصل العمل بإصرار، حتى أنه وزّع نسخًا من مواده في أكثر من مكان تحسبًا لضياعها.
في قلب هذه الرحلة، برزت السعودية كمحطة مفصلية. فخلال عمله في جامعة الملك سعود بالرياض بين عامي 1983 و1988، وجد المسيري بيئة علمية مستقرة وداعمة، مكّنته من التفرغ لمشروعه بعيدًا عن الأعباء الإدارية. كما أتاح له الاستقرار المالي الاستعانة بمساعدين بحثيين، ما ساهم في تسريع العمل على موسوعته التي استغرقت نحو 25 عامًا حتى صدرت عام 1999.
الموسوعة، التي جاءت في ثمانية مجلدات، تُعد من أبرز المشاريع الفكرية العربية في دراسة اليهودية والصهيونية، حيث قدمت طرحًا تفسيرياً يميز بين الدين كمنظومة عقائدية، وبين التوظيف السياسي الاستيطاني للحركة الصهيونية، واضعة الصراع في سياقاته التاريخية والاستعمارية.
ولم يقتصر الحضور السعودي على الدعم الأكاديمي فقط، بل امتد إلى الجانب الإنساني. إذ حظي المسيري بدعم في رحلة علاجه من مرض السرطان، الذي عانى منه لنحو عقد من الزمن، حيث سُجلت مساهمات من شخصيات سعودية بارزة في تغطية تكاليف العلاج، ما ساعده على مواصلة عطائه حتى سنواته الأخيرة.
فكريًا، مثّل المسيري حالة تحول لافتة؛ إذ انتقل من الخلفية الماركسية إلى رؤية إنسانية ذات مرجعية إسلامية، ركزت على التوازن بين البعد المادي والروحي للإنسان. وتميّزت كتاباته بلغة قريبة من الحياة اليومية، مستحضرة نماذج من المجتمعين المصري والسعودي، ومؤكدة على قيم التراحم في مواجهة النزعات المادية الصلبة.
ورغم رحيله عام 2008، تبقى موسوعته أحد أهم المراجع العربية، ليس فقط في موضوعها، بل كنموذج لإنتاج معرفي عربي مستقل، تشكّل في جزء منه داخل بيئة أكاديمية سعودية دعمت البحث واحتضنت الفكر.



