أصل تسمية الشعر النبطي بين ابن خلدون وابن بليهد(١)

بقلم: د. أحمد بن محمد ناصر المدير – جازان
أول من أشار إلى الشعر النبطي في كتاباته هو ابن خلدون، وإن لم يستخدم اللفظ ذاته. فقد أطلق عليه مسميات متعددة مثل: الشعر البدوي، والقيسي، والحوراني، والأصمعيات.
والحق أن لفظة “النبطي” كانت متداولة بين الناس في زمانه، لكنه سجل هذا الفن وحفظه تحت تلك المسميات.
وذكر ابن خلدون أن ألقاب “قيسي” و”حوراني” و”بدوي” شائعة بين أهل المشرق، كما أن هذا الشعر تفشى قبل عصره بين أبناء القبائل في شرق الجزيرة العربية وشمالها، لكونها موطن قبيلة قيس، وكانت بداية حوران المنطقة الفاصلة بين شمال الجوف وبلاد الشام.
وبعد ابن خلدون التزمت المصادر الصمت نحو ستة قرون، فلم يرد ذكر للشعر النبطي حتى ظهر كتاب ابن بليهد: “صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار”.
فقد استشهد ابن بليهد في أثناء مروره على الأماكن والموارد والأحداث التاريخية بشواهد من الشعر النبطي، ونصّ في كل موضع على أنه من هذا النوع، مستخدمًا لفظة “النبطي” صراحة. وبتكراره لها رسّخها بين أهل العلم، وتبعه طلاب العلم من بعده.
غير أن ابن بليهد وقع في خطأ حين نسب كلمة “نبطي” إلى الأنباط، ولم يدرك أن المقصود بها في الأصل هو اللهجة العامية.
وقد انطلت هذه النسبة على كثيرين بعده، فأدخلت مسمى “النبطي” في دوامة من الجدل والتعليلات حول أصل الأنباط ودلالات كلمة “نبط” واشتقاقها.
ومن جانبه، جمع خالد فرج في “ديوان النبطي” مجموعة من الشعر العامي النجدي، وقال إن هذا اللون من الشعر وفد إلى نجد من العراق أو من مشارف الشام، وكانوا يطلقون اسم “الأنباط” على فلاحي سواد العراق وبدو مشارف الشام.
ويرى خالد فرج أن الأعجمية كانت سائدة عندهم قبل الجزيرة، ويؤكد في مقدمته أن الشعر النبطي انحدر من الشعر العربي، وتسرب إليه اللحن، وتغيرت لغته تدريجيًا حتى وصل إلى العامية.
ولم يفت ابن بليهد أن نبه إلى التشابه بين الشعر النبطي والشعر الجاهلي، وأسهب في المقارنة بينهما، دون أن يصرح بأن النبطي امتداد للجاهلي. وفي كتابه “الأدب الشعبي في جزيرة العرب” سار ابن خميس على خطى ابن بليهد في تحقيق كلمة “نبط”، لكنه آثر إطلاق “الشعر الشعبي” بديلاً عن “النبطي”.
والخلاصة أن كلمة “نبطي” كانت تطلق في الأصل على لغة الأنباط، ثم توسع علماء اللغة في استعمالها حتى غدت لا تدل على لغة الأنباط فحسب، بل على الكلام العربي الذي لا يتقيد بقواعد الفصحى.
يتبع – الجزء الأول



