مقالات و رأي

بين سلطة الجذور والمصير

✍🏻 مـنـيرا الـعتـيبي 

ليست الحياة خطاً مستقيماً بقدر ما هي نسيج تتداخل فيه الخيوط دون إذن مسبق من أحد. خيوط تُسحب من حيث لا نرى، وتُعقد في لحظات لا نملك فيها سوى مراقبة تشكّلها. وبين ولادة لا تُستشار، ورحيل لا يُؤجَّل، تتوزع التجربة الإنسانية على مساحات متناقضة لا تهدأ: لحظة تُضيء وأخرى تنطفئ في الداخل بصمت.

في هذا الامتداد الملتبس، لا يظهر الإنسان كفاعل خالص ولا كمفعول به تماماً، بل ككائن يفاوض احتمالاته لحظةً بلحظة. يمد يده نحو ما يشتهي، ثم يكتشف أن المسافة بين الرغبة وتحقيقها ليست هندسية، بل وجودية؛ تتبدل بتبدل الخوف، والظرف، وما لا يُقال.

ومن أكثر القوى رسوخاً في هذا التشابك، تبرز العائلة لا ككيان واحد، بل كبنية تتداخل فيها الحماية بالحد، والرعاية بالقرار. تمنح الفرد لغته الأولى في العالم، ثم تشاركه لاحقاً في صياغة لغته الثانية: كيف يعيش، ومع من، وبأي شكل يبدو مستقبله. ومع مرور الزمن، قد تتحول هذه الحماية إلى إطار شفاف لا يُرى بسهولة لكنه يعيد تشكيل حركة الداخل ببطء.

إلى جوار ذلك، تقف التقاليد كطبقة أقدم من الأسئلة نفسها. ليست عدواً مباشراً ولا حلاً جاهزاً، لكنها طريقة تفكير تتوارث شكلها أكثر مما تتغير معانيها. وحين تتصلب، لا تعود توجهاً للحياة بل تفسيراً وحيداً لها، فيضيق المجال بين الممكن والمقبول حتى يكاد يختفي الفارق بينهما.

في هذه المساحة يبدأ الاحتكاك الحقيقي: حين لا يعود الاختيار فعلاً بسيطاً، بل مفترقاً تتداخل فيه الأصوات الداخلية والخارجية. عندها يصبح القرار أقرب إلى مفاوضة صامتة بين ما يُراد للفرد وما يراه لنفسه، بين ما يُتوقع منه وما يتشكل داخله بعيداً عن التوقع.

ومع ذلك، فإن المواجهة ليست بالضرورة قطيعة. فالهدم الكامل لا يحرر بقدر ما يبدل القيد بقيد آخر. والاندفاع الأعمى نحو الاستقلال قد يعيد إنتاج العزلة بصورة مختلفة. بين هذين الطرفين تتشكل منطقة أدق: مساحة إعادة تعريف العلاقة، لا إلغائها.

هناك، لا تُكسر الجذور ولا تُقدَّس، بل تُفهم بوصفها جزءاً من البنية لا كلّها. ويُعاد النظر في حدود السلطة لا من باب الإنكار، بل من باب إعادة توزيعها داخل الحياة نفسها، بحيث لا يبتلع الأصل الامتداد، ولا يقطع الامتداد الأصل.

وفي النهاية، لا يبدو القدر كتدبير مغلق، بل كمساحة تتقاطع فيها الإرادة مع ما لا يُمسك. يكتب الإنسان سطوره بقدر ما تسمح اللحظة، ثم يعيد النظر فيها كلما تبدلت زاوية الرؤية. ليست البطولة في إلغاء القيود، بل في إدراك شكلها الحقيقي، وفي القدرة على العيش داخلها دون فقدان المعنى.

الحياة، في صورتها الأكثر هدوءاً، ليست معركة لإثبات الانتصار، بل محاولة مستمرة لعدم فقدان الذات وسط ما يتشكل حولها. وفي هذا التوازن الدقيق، يصبح الاختيار فعلاً واعياً لا صدامياً، ويغدو المعنى أقل صخباً وأكثر رسوخاً، كأثر يبقى بعد أن يهدأ كل شيء

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى