نظام «الطيبات» بين الجاذبية الشعبية ومتطلبات الدليل العلمي

البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أستاذ علم البيولوجيا – ومستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة.
بحكم تخصصي الأكاديمي في علم البيولوجيا، تلقيت خلال الفترة الأخيرة العديد من التساؤلات حول ما يُعرف بـ«نظام الطيبات»، والذي حظي بانتشار واسع في وسائل التواصل الاجتماعي وأصبح محل اهتمام كثير من الباحثين عن أنماط غذائية أكثر صحة وطبيعية.
ومن منظور علمي بحت، فإن أي نظام غذائي لا ينبغي أن يقيَّم وفقاً لشعبيته أو حجم انتشاره، وإنما وفقاً لمدى توافقه مع الأدلة العلمية المتراكمة، وقدرته على الصمود أمام الاختبار العلمي والمراجعة النقدية المستمرة.
من أبرز الجوانب في هذا النظام دعوته إلى تقليل الاعتماد على الأغذية فائقة التصنيع، والحد من استهلاك السكريات المضافة، وتشجيع العودة إلى الأغذية الطبيعية الأقل معالجة. وهذه المبادئ تتوافق إلى حد كبير مع الاتجاهات الحديثة في علوم التغذية والصحة العامة، والتي تشير إلى ارتباط الأغذية الصناعية المفرطة المعالجة بارتفاع معدلات السمنة والأمراض الاستقلابية وبعض الاضطرابات الالتهابية المزمنة.
غير أن الاتفاق مع هذه المبادئ العامة لا يعني بالضرورة صحة جميع الاستنتاجات والتفسيرات التي تبنى عليها. فالعلم الحديث ينظر إلى التغذية باعتبارها علماً معقداً ومتداخلاً، وليس مجموعة من الأحكام القطعية التي تقسم الأطعمة إلى «طيبات» و«غير طيبات» بصورة مطلقة.
فالإنسان كائن بيولوجي حي شديد التعقيد، وتتأثر صحته بعوامل متعددة تشمل الجينات، والهرمونات، والميكروبيوم المعوي، ومستوى النشاط البدني، وجودة النوم، والحالة النفسية، والبيئة المحيطة. ولذلك فإن اختزال أسباب الصحة أو المرض في مجموعة محددة من الأغذية أو في نظام غذائي واحد لا ينسجم بالكامل مع الفهم العلمي المعاصر.
ومن القضايا التي تستدعي التوقف العلمي أن بعض الطروحات المرتبطة بهذا النظام تقدم أحياناً على أنها حقائق شبه محسومة، في حين أن علوم التغذية بطبيعتها من أكثر العلوم تطوراً وتغيراً مع ظهور الأدلة الجديدة. فالتوصيات الغذائية الرصينة لا تبنى على الملاحظات الفردية أو التجارب الشخصية، وإنما على الدراسات السريرية المحكمة والصلبة والمراجعات المنهجية واسعة النطاق.
من منظور علم المناعة، لا يوجد حتى اليوم نظام غذائي واحد ثبت أنه يمثل النموذج الأمثل لجميع البشر دون استثناء. فاستجابة الجسم للغذاء تختلف باختلاف العمر والجنس والخلفية الوراثية والحالة الصحية ونمط الحياة. ولهذا فإن مفهوم «الغذاء المناسب للجميع» يظل مفهوماً يحتاج إلى قدر كبير من التحفظ العلمي.
إن القيمة الحقيقية لأي طرح غذائي تكمن في قدرته على تعزيز السلوك الصحي، لا في تحويل الخيارات الغذائية إلى قوالب جامدة أو أحكام مطلقة.
ولذلك فإن تقييم أي طرح غذائي بموضوعية يقتضي الاستفادة من نقاط قوته وما يقدمه من ممارسات صحية نافعة مع إخضاعه في الوقت نفسه للمعايير العلمية المعتمدة
تماماً كما يحدث مع أي نظرية أو نموذج في العلوم الصحية.
وفي تقديري العلمي، فإن العديد من الأطروحات الغذائية التي تدعو إلى إعادة النظر في العلاقة بين الغذاء والصحة تمثل موضوعاً مشروعاً للبحث والنقاش العلمي؛ إذ يبقى الحكم النهائي على فاعليتها ومدى صلاحية تطبيقاتها مرهوناً بما تسفر عنه الدراسات والأدلة العلمية المستقبلية، وهو ما يجعل الاحتكام إلى المنهج العلمي ضرورة لا غنى عنها. ويبقى المعيار الحاكم لأي ادعاء صحي هو ما تثبته البحوث العلمية الرصينة، لا قوة الطرح الإعلامي أو شيوع التجارب الشخصية. فالعلم لا يُبنى على القناعة الشخصية مهما كانت جاذبيتها، بل على قوة الدليل، وقابلية النتائج للتكرار، واستمرارها في الصمود أمام الاختبار العلمي والنقد الموضوعي.
وآمل أن يجد أصدقائي وزملائي الكرام في هذه المقالة إجابات عن التساؤلات التي أثيرت حول هذا الموضوع، وأن تكون منطلقاً لحوار علمي هادئ قائم على الدليل والموضوعية. وأدعو الجميع إلى إعمال العقل والتفكير الواعي في أنماط حياتهم اليومية، من خلال تبني العادات الصحية السليمة في الغذاء والنشاط البدني والنوم وإدارة الضغوط النفسية. وفي الوقت ذاته لا ينبغي أن يكون البحث عن الصحة بديلاً عن الاستشارة الطبية المتخصصة، فالتشخيص والعلاج وتقييم الحالات الصحية الفردية تبقى من مسؤولية الأطباء والمختصين المؤهلين. فالحكمة تقتضي الجمع بين نمط حياة صحي والوعي العلمي، والاستفادة من الخبرات الطبية الموثوقة وصولاً إلى أفضل النتائج الصحية الممكنة.



