المال و الأعمال

أنا كسلانة

بقلم المستشارة الأسرية / هدى الأحمدي

منذ أن كانت غدير في الصفوف الأولى من المرحلة الابتدائية، كانت تسمع وصفًا يتكرر على مسامعها أكثر من أي كلمة أخرى:

غدير كسلانة.

لم تكن تدرك حينها أن الكلمات التي تُقال لطفلة صغيرة قد تتحول إلى قناعات تسكن أعماقها لسنوات طويلة.

في كل مرة تتأخر في حل واجب، أو تنسى إحضار دفتر، أو تحتاج وقتًا أطول لفهم درس ما، كانت تسمع الوصف ذاته. ومع مرور الأيام لم تعد غدير ترى نفسها طفلة تحاول التعلم، بل طفلة تحمل لقبًا ثابتًا: “الكسلانة”.

كبرت وهي تخشى المشاركة في الفصل، وتتردد في خوض المسابقات، وبدأت تفقد ثقتها بنفسها شيئًا فشيئًا. لم تكن المشكلة في قدراتها، بل في الصورة التي رُسمت لها حتى صدقتها.

وفي المراحل الدراسية اللاحقة أصبحت تؤجل أعمالها، لا لأنها كسلانة فعلًا، بل لأنها اقتنعت بأنها كذلك. تحولت الكلمة إلى نبوءة تعيشها كل يوم، وأصبح التعثر بالنسبة لها أمرًا متوقعًا قبل أن تبدأ أي محاولة.

الأكثر ألمًا أن أحدًا لم ينتبه إلى أن غدير لم تكن تحتاج إلى لقب يلاحقها، بل كانت تحتاج إلى كلمة تشجيع توقظ ما بداخلها من قدرات، وإلى شخص يرى فيها ما هو أبعد من صفة “الكسلانة”.

وحين شاهدت الفيديو المتداول الذي كُتبت فيه أوصاف على ظهور الأطفال، عادت إلى ذاكرتها سنوات الابتدائية. تذكرت كيف يمكن لكلمة واحدة أن تلتصق بالطفل أكثر من اسمه، وكيف يمكن لوصف يتكرر كل يوم أن يصبح جزءًا من هويته.

فبعض الكلمات تُمحى من الورق بسهولة، لكنها تبقى محفورة في النفس سنوات طويلة. والطفل لا يرى نفسه كما هو، بل كما يراه الكبار من حوله. لذلك علينا أن ننتبه لما نكتبه على ظهور أطفالنا بأقلامنا، أو نكتبه في قلوبهم بكلماتنا.

فقد نعتقد أننا نصف سلوكًا عابرًا، بينما نحن في الحقيقة نرسم مستقبلًا كاملًا.

واليوم، وبعد سنوات طويلة، أصبحت غدير أمًا حنونة تحتضن أبناءها بالكلمات التي كانت تتمنى أن تسمعها وهي صغيرة. تحرص كل يوم على أن تزرع في قلوبهم الثقة، وتشجع محاولاتهم، وتحتفل بإنجازاتهم مهما كانت بسيطة. فهي تعرف جيدًا كيف يمكن لكلمة أن تهدم طفلًا، وكيف يمكن لكلمة أخرى أن تبنيه.

لم تكن رحلة غدير سهلة، فقد تزوجت مبكرًا، وتوقفت دراستها فترة من الزمن، لكن داخلها كان لا يزال ذلك الحلم الصغير الذي رفض أن يموت. عادت إلى مقاعد الدراسة بعد الزواج، واجتهدت رغم مسؤوليات البيت والأبناء، حتى أكملت تعليمها وحققت ما كانت تظنه يومًا بعيد المنال.

وأصبحت معلمة ناجحة، تدخل فصلها كل صباح وهي تحمل رسالة مختلفة. كانت ترى في طالباتها نفسها قبل سنوات؛ لذلك لم تكن تطلق عليهن الأوصاف الجارحة، بل كانت تبحث عن نقاط القوة في كل واحدة منهن. إذا أخطأت طالبة أرشدتها، وإذا تعثرت شجعتها، وإذا فقدت ثقتها بنفسها أمسكت بيدها حتى تستعيدها.

لقد نجحت غدير في كسر السلسلة التي كادت أن تقيد حياتها. لم تسمح لكلمة “كسلانة” أن تكون نهاية قصتها، بل جعلتها بداية رحلة طويلة من التحدي والنجاح والعطاء. واليوم تقف شامخة، أمًا ومعلمة، تثبت أن الكلمات السلبية قد تجرح الإنسان، لكنها لا تستطيع أن تمنعه من النهوض إذا امتلك الإرادة والإيمان بنفسه.
ختاماً احبتي الكرام
اختم مقالتي هذه بقول الشاعر*

لا تجرحوا طفلًا بوصفٍ عابرٍ
فالقلبُ يحفظُ ما يُقالُ ويكتمُ

كم كلمةٍ هدمت طموحَ بريئةٍ
وكم ابتسامةُ مشجعٍ تتقدمُ

ازرع جميلَ القولِ في أبنائكم
فالزرعُ يوم الحصادِ سوف يُكرمُ

إن الصغارَ مرايا من حولهم
وبحبكم يكبرونَ ثم يحلموا

همسة حب:
فالكلمات بذور إما أن تنبت ثقةً وأملًا وإما أن تنبت خوفًا وانكسارًا

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى