فلاديفوستوك.. عندما تصبح المدينة مختبراً للذكاء الاصطناعي

هل تُبنى مدن المستقبل لخدمة الإنسان… أم لإعادة تعريف العلاقة بينه وبين السلطة؟
بقلم: إسلام خيامي الهواري باحث ومحلل في الأنظمة الذكية والأمن السيبراني
تحقيق استقصائي: إسلام خيامي الهواري
مدينة يعاد بناؤها بالخوارزميات
في أقصى الشرق الروسي، وعلى بُعد أكثر من تسعة آلاف كيلومتر من العاصمة موسكو، تقف مدينة فلاديفوستوك شامخة على ضفاف المحيط الهادئ، بوصفها أحد أهم الموانئ الروسية، وبوابة البلاد نحو آسيا والمحيط الهادئ. وعلى مدار عقود طويلة، ارتبط اسم المدينة بالقواعد العسكرية والأساطيل البحرية وحركة التجارة الدولية، إلا أن السنوات الأخيرة منحتها هوية جديدة، ربما تكون أكثر تأثيرًا في مستقبل روسيا من أي دور عسكري أو اقتصادي سابق.
ففي الوقت الذي يتسابق فيه العالم على تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي، اختارت موسكو أن تجعل من فلاديفوستوك واحدة من أولى المدن التي يُعاد تصميم بنيتها التحتية اعتمادًا على الخوارزميات وتحليل البيانات الضخمة والأنظمة الذكية.
وللوهلة الأولى، يبدو المشروع امتدادًا طبيعيًا لما يعرف عالميًا بمفهوم “المدينة الذكية”. كاميرات أكثر تطورًا، شبكات كهرباء قادرة على اكتشاف الأعطال قبل وقوعها، أنظمة مرور تتنبأ بالازدحام، وبرمجيات تقلل استهلاك الطاقة والانبعاثات الكربونية.
لكن مع التعمق في تفاصيل المشروع، تتغير الصورة تدريجيًا.

فالأمر لا يتعلق فقط بتحديث الخدمات أو تحسين جودة الحياة، بل بإعادة بناء الطريقة التي تعمل بها المدينة نفسها. كل شارع، وكل مبنى، وكل شبكة مرافق، بل وحتى حركة المركبات واستهلاك الطاقة، تتحول إلى بيانات تُجمع باستمرار، وتُحلل بواسطة خوارزميات، ثم تُستخدم لاتخاذ قرارات تشغيلية بصورة شبه لحظية.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي.
إذا كانت الخوارزميات هي التي ستتخذ القرار، فمن يكتب هذه الخوارزميات؟
ومن يراجعها؟
ومن يضمن أنها تعمل وفق معايير عادلة وشفافة؟
وهل يمتلك المواطن حق معرفة الكيفية التي تُستخدم بها بياناته، أم يصبح مجرد عنصر داخل منظومة رقمية ضخمة لا يرى منها سوى نتائجها؟
هذه الأسئلة ليست نظرية، بل أصبحت محورًا رئيسيًا للنقاش العالمي حول مستقبل المدن الذكية، خصوصًا مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة البنية التحتية والخدمات العامة.
لماذا فلاديفوستوك تحديدًا؟

قد يبدو اختيار فلاديفوستوك مفاجئًا للوهلة الأولى، خاصة أن معظم المشروعات الاستراتيجية الروسية تُدار عادة من موسكو أو سانت بطرسبرغ.
إلا أن النظر إلى الخريطة يفسر الكثير.
فالمدينة تقع على مقربة من الصين وكوريا الجنوبية واليابان، وتُعد نقطة الاتصال الروسية الرئيسية مع الاقتصاد الآسيوي، كما تستضيف سنويًا المنتدى الاقتصادي الشرقي، الذي أصبح منذ إطلاقه عام 2015 منصة لإعلان أبرز المشروعات الاقتصادية والتكنولوجية الروسية.
إلى جانب ذلك، تضم المدينة جامعة الشرق الأقصى الفيدرالية، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مركز بحثي مهم في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات وتحليل البيانات.
هذا التداخل بين الجامعة، والمنتدى الاقتصادي، والموقع الجغرافي، والاستثمارات الحكومية، جعل من فلاديفوستوك بيئة مثالية لتجربة نموذج جديد من المدن الرقمية.
فهي ليست مدينة ضخمة بحجم موسكو، لكنها كبيرة بما يكفي لاختبار التقنيات على نطاق واسع، وصغيرة بما يسمح بمراقبة نتائج التجربة قبل تعميمها على مدن أخرى.
ويرى عدد من الباحثين أن اختيار المدينة يعكس أيضًا توجهًا روسيًا لتحويل الشرق الأقصى إلى مركز للتكنولوجيا المتقدمة، وليس مجرد منطقة تعتمد على الصناعات التقليدية أو الأنشطة العسكرية.
اتفاقية قد تغيّر شكل المدينة

في سبتمبر 2024، وعلى هامش المنتدى الاقتصادي الشرقي، وقّعت إدارة مدينة فلاديفوستوك اتفاقية تعاون مع بنك Sber، أكبر مؤسسة مالية وتقنية في روسيا، بهدف تطوير منظومة ذكية لإدارة المدينة.
ورغم أن الخبر الرسمي ركز على عبارات مثل “تحسين جودة الخدمات” و”رفع كفاءة البنية التحتية”، فإن تفاصيل المشروع تكشف تحولًا أكبر بكثير.
فالخطة تتضمن إنشاء نموذج رقمي متكامل للمدينة، يربط بين شبكات الكهرباء والمياه والتدفئة، والمباني السكنية، والمرافق العامة، وأنظمة الطوارئ، وغرف التحكم، داخل منصة واحدة تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
وبعبارة أخرى، فإن المدينة تتحول تدريجيًا إلى منظومة رقمية موحدة، تتلقى البيانات باستمرار، وتحللها، وتقترح أو تنفذ قرارات تشغيلية دون الحاجة إلى التدخل البشري في كثير من الحالات.
ومن الناحية التقنية، يعتمد هذا النموذج على مفهوم Digital Twin أو “التوأم الرقمي”، وهو إنشاء نسخة افتراضية كاملة للمدينة تتلقى البيانات من آلاف الحساسات والكاميرات وأجهزة القياس، بحيث يمكنها محاكاة الواقع في الزمن الحقيقي.
هذه التقنية أصبحت من أكثر التقنيات انتشارًا في مشاريع المدن الذكية حول العالم، لما توفره من قدرة على التنبؤ بالأعطال وتحسين استهلاك الموارد.
لكنها في الوقت نفسه تفتح الباب أمام سؤال بالغ الحساسية:
إذا أصبحت المدينة تعرف كل شيء عن نفسها… فإلى أي مدى ستعرف عن سكانها؟

عندما تتحول المدينة إلى مصدر بيانات
في المدن التقليدية، كانت البيانات تُجمع لأغراض محدودة، مثل تعداد السكان أو قياس استهلاك الكهرباء.
أما في المدن الذكية، فإن البيانات أصبحت الوقود الحقيقي الذي تعتمد عليه جميع الأنظمة.
كل مركبة تمر عبر شارع.
كل مصعد يعمل داخل مبنى.
كل استهلاك للكهرباء.
كل كاميرا مراقبة.
كل حساس لدرجة الحرارة أو جودة الهواء.
جميعها تنتج بيانات بصورة مستمرة.
وتتحول هذه البيانات إلى مادة خام تُحلل بواسطة أنظمة الذكاء الاصطناعي، التي تبحث عن الأنماط، وتتنبأ بالمشكلات، وتقترح الحلول.
هذه هي الفكرة الأساسية التي تقوم عليها المدن الذكية.
لكن مع ازدياد حجم البيانات، يزداد أيضًا حجم السلطة التي يمتلكها من يدير هذه البيانات.
فالبيانات لم تعد مجرد معلومات، بل أصبحت أصلًا استراتيجيًا، يشبه النفط في القرن العشرين.
ولهذا بدأ مصطلح جديد يفرض نفسه على النقاشات الدولية:
السيادة الرقمية.
فمن يمتلك البيانات… يمتلك القدرة على فهم المدينة، وإدارتها، بل وربما التأثير في مستقبلها.
عندما يصبح الذكاء الاصطناعي مدير المدينة

في السابق، كانت إدارة المدن تعتمد على آلاف الموظفين والمهندسين وغرف العمليات المنتشرة بين مختلف المؤسسات الحكومية. كان كل قطاع يعمل بصورة شبه مستقلة، فهناك جهة مسؤولة عن الكهرباء، وأخرى عن المياه، وثالثة عن النقل، بينما تتولى أجهزة الأمن والطوارئ مسؤولياتها بصورة منفصلة.
أما في نموذج فلاديفوستوك الجديد، فإن الفكرة تختلف جذريًا.
فالهدف ليس تطوير كل قطاع على حدة، بل ربط جميع القطاعات داخل منظومة رقمية واحدة تستطيع قراءة ما يحدث داخل المدينة لحظة بلحظة.
وتبدأ العملية من أجهزة الاستشعار والكاميرات المنتشرة في الشوارع والمباني، والتي ترسل ملايين نقاط البيانات يوميًا إلى مراكز تشغيل تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
وهناك تقوم الخوارزميات بتحليل هذه البيانات، واكتشاف الأنماط غير الطبيعية، والتنبؤ بالأعطال قبل حدوثها، واقتراح أفضل السيناريوهات للتعامل معها.
إذا ارتفع استهلاك الكهرباء بصورة غير معتادة في حي معين، تستطيع الأنظمة ملاحظة ذلك.
إذا ظهرت مؤشرات على احتمال تعطل شبكة مياه، يمكن إصدار تنبيه مبكر.
وإذا وقع حادث مروري، تستطيع المنظومة إعادة توجيه الإشارات الضوئية لتخفيف الازدحام.
من الناحية التقنية، تبدو هذه التطبيقات إنجازًا مهمًا، لأنها تقلل زمن الاستجابة، وترفع كفاءة الخدمات، وتخفض تكاليف التشغيل.
لكن كل هذه القدرات تعتمد على شرط واحد…
جمع البيانات باستمرار.

نظام “Angel”.. بداية المراقبة الذكية؟
قبل الإعلان عن المشروع الأكبر، شهدت فلاديفوستوك تجربة عملية لنظام يعتمد على الذكاء الاصطناعي يحمل اسم Angel.
كانت المهمة المعلنة للنظام بسيطة.
رصد السيارات المتوقفة بصورة مخالفة فوق الأرصفة أو المساحات الخضراء.
لكن طريقة التنفيذ كانت مختلفة عن الأساليب التقليدية.
فبدلًا من الاعتماد على المفتشين، استخدم النظام كاميرات وخوارزميات رؤية حاسوبية تستطيع التعرف على المركبات المخالفة، وتحديد موقعها، وتوثيق المخالفة، ثم إرسال البيانات إلكترونيًا إلى الجهات المختصة.
بالنسبة للمواطن، قد يبدو الأمر مجرد تطوير للإجراءات.
لكن بالنسبة للباحثين في الذكاء الاصطناعي، يمثل هذا النظام مثالًا واضحًا على انتقال اتخاذ القرار من الإنسان إلى الخوارزمية.
فالبرنامج هو من يحدد وجود المخالفة.
والبرنامج هو من يجمع الأدلة.
والبرنامج هو من يرسل البيانات.
ويبقى دور الإنسان في كثير من الأحيان هو مراجعة النتيجة النهائية فقط.
من تنظيم المرور… إلى تحليل السلوك
لا تكمن أهمية نظام Angel في مخالفات السيارات، وإنما فيما يمثله من نموذج تقني.
فالخوارزمية التي تستطيع التعرف على سيارة متوقفة فوق الرصيف، يمكنها أيضًا التعرف على نوع المركبة.
ومدة بقائها.
واتجاه حركتها.
وتكرار وجودها في مكان معين.
ومع توسع عدد الكاميرات، تصبح إمكانية بناء صورة كاملة عن حركة المدينة أكثر واقعية.
ولا يعني ذلك أن هذا يحدث بالفعل داخل فلاديفوستوك، لكن هذه هي القدرات التقنية التي تتيحها أنظمة الرؤية الحاسوبية الحديثة إذا استُخدمت على نطاق واسع.
ولهذا أصبح النقاش العالمي لا يقتصر على سؤال:
هل تستطيع الأنظمة فعل ذلك؟
بل أصبح السؤال:
من يضع الحدود القانونية والأخلاقية لما ينبغي أن تفعله؟
البيانات… المورد الجديد للدول
خلال القرن الماضي كانت الدول تتنافس على النفط والغاز والمعادن.
أما اليوم، فقد دخل مورد جديد إلى معادلة القوة.
البيانات.
فكلما ازدادت قدرة الدولة على جمع البيانات وتحليلها، ازدادت قدرتها على التخطيط وإدارة الاقتصاد والبنية التحتية.
ولهذا تصف بعض الدراسات البيانات بأنها “نفط القرن الحادي والعشرين”.
لكن هناك فرقًا جوهريًا.
فالنفط مورد طبيعي.
أما البيانات فهي تُنتج بواسطة البشر أنفسهم.
كل عملية شراء.
كل رحلة.
كل اتصال.
كل استخدام للهاتف.
كل مرور أمام كاميرا.
كلها تتحول إلى بيانات.
ومع تطور الذكاء الاصطناعي، أصبحت هذه البيانات أكثر قيمة من أي وقت مضى.
روسيا… لماذا الآن؟
يأتي المشروع في توقيت حساس بالنسبة لموسكو.
فمنذ اندلاع الحرب في أوكرانيا وفرض العقوبات الغربية، واجهت روسيا قيودًا كبيرة على استيراد الرقائق الإلكترونية المتقدمة وتقنيات الحوسبة.
وأصبح تطوير منظومات محلية هدفًا استراتيجيًا للدولة.
وفي أكثر من مناسبة، تحدث الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن أهمية تحقيق السيادة التكنولوجية، باعتبارها جزءًا من الأمن القومي الروسي.
وبالتالي، فإن مشروع فلاديفوستوك لا يمكن النظر إليه باعتباره مشروعًا بلديًا فقط.
بل يمثل أيضًا اختبارًا لقدرة روسيا على بناء منظومات مدن ذكية اعتمادًا على حلول محلية، بعيدًا عن التكنولوجيا الغربية.
هل تختلف روسيا عن الصين؟
عندما يُذكر الذكاء الاصطناعي والمراقبة، تتجه الأنظار عادة إلى الصين.
لكن المقارنة ليست بهذه البساطة.
الصين طورت خلال العقدين الماضيين منظومات واسعة تعتمد على الكاميرات وتحليل البيانات في إدارة المرور والخدمات العامة.
وفي المقابل، تركز الدول الأوروبية بصورة أكبر على حماية الخصوصية، من خلال تشريعات مثل اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR)، التي تمنح المواطنين حقوقًا واضحة في كيفية جمع واستخدام بياناتهم.
أما النموذج الروسي، فلا يزال في مرحلة التطور، ويبدو أنه يحاول الجمع بين هدفين:
الأول، رفع كفاءة البنية التحتية والخدمات.
والثاني، تعزيز الاستقلال التقني في مواجهة العقوبات والاعتماد على التقنيات المحلية.
لكن حتى الآن، يبقى السؤال مفتوحًا حول حجم الشفافية التي سترافق هذه المنظومات، وكيف ستتم إدارة البيانات، وما هي الضمانات القانونية التي ستحكم استخدامها.
عندما تصبح الخوارزمية شريكًا في اتخاذ القرار
على مدار التاريخ، كانت المدن تُدار بواسطة البشر.
المهندس يقرر موعد صيانة الجسر.
والموظف يحدد أولويات إصلاح شبكة المياه.
ورجل المرور يغيّر حركة الإشارات بحسب ما يراه أمامه.
لكن مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى قلب المدن، بدأت هذه المعادلة تتغير تدريجيًا.
فالخوارزمية لا تنام، ولا تتوقف عن تحليل البيانات، ولا تحتاج إلى انتظار تقارير نهاية الأسبوع.
إنها تقرأ ملايين البيانات في الثانية، وتقارنها بما حدث في الماضي، ثم تقدم توصيات أو تتخذ قرارات تشغيلية بصورة شبه فورية.
من الناحية العملية، يبدو ذلك إنجازًا كبيرًا.
لكن من الناحية القانونية والأخلاقية، تظهر أسئلة أكثر تعقيدًا.
إذا أخطأت الخوارزمية…
من يتحمل المسؤولية؟
هل الشركة المطورة؟
أم الجهة الحكومية؟
أم الموظف الذي اعتمد قرار النظام؟
حتى اليوم، لا توجد إجابة موحدة على هذا السؤال، ليس في روسيا فقط، بل في معظم دول العالم.
البيانات… من يملكها بعد جمعها؟
في كل ثانية تمر داخل المدينة الذكية، تُولد آلاف البيانات الجديدة.
عداد كهرباء ذكي.
كاميرا مرور.
جهاز استشعار في محطة مياه.
تطبيق يستخدمه المواطن للإبلاغ عن مشكلة.
كل هذه المصادر تُغذي المنصة الرقمية المركزية.
لكن ماذا يحدث بعد ذلك؟
هل تُستخدم البيانات فقط لتحسين الخدمات؟
هل تُخزن لفترة محددة؟
هل يمكن مشاركتها مع جهات أخرى؟
وهل يحق للمواطن أن يطلب حذف بياناته أو معرفة كيفية استخدامها؟
هذه الأسئلة أصبحت محورًا رئيسيًا للنقاش في أوروبا والولايات المتحدة، بينما لا تزال الإجابات تختلف من دولة إلى أخرى.
وفي حالة فلاديفوستوك، تركز التصريحات الرسمية على فوائد المشروع التقنية والاقتصادية، في حين لا تتوافر تفاصيل واسعة منشورة حول سياسات إدارة البيانات أو حقوق الأفراد المتعلقة بها.
ولا يعني ذلك غياب هذه السياسات، لكنه يعني أن المعلومات المتاحة للجمهور محدودة، وهو ما يدفع بعض الباحثين إلى المطالبة بمزيد من الشفافية كلما توسعت مشاريع المدن الذكية.
عندما تدخل الشركات إلى غرفة التحكم
من أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في مشروع فلاديفوستوك أنه لا يعتمد على الحكومة وحدها.
فشركة Sber ليست مجرد بنك تقليدي.
خلال السنوات الأخيرة، تحولت إلى واحدة من أكبر شركات التكنولوجيا في روسيا، واستثمرت مليارات الروبلات في الذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، والتقنيات الرقمية.
وبالتالي، فإن دورها في المشروع يتجاوز التمويل.
إنها شريك تقني يطور المنصات، والخوارزميات، والحلول الرقمية.
وهنا يظهر سؤال مهم:
إذا أصبحت الشركات الخاصة تطور الأنظمة التي تدير المدن، فمن يراقب طريقة عمل هذه الأنظمة؟
في كثير من الأحيان تُعد الخوارزميات جزءًا من الملكية الفكرية للشركات، ما يعني أن تفاصيلها لا تكون متاحة للعامة.
وبالتالي قد يستخدم المواطن نظامًا يؤثر في حياته اليومية دون أن يعرف كيف يعمل، أو كيف يصل إلى قراراته.
وهذا أحد أكبر التحديات التي يناقشها خبراء حوكمة الذكاء الاصطناعي حول العالم.
الأمن السيبراني… المدينة قد تتعرض للاختراق
كلما أصبحت المدن أكثر اتصالًا بالإنترنت، أصبحت أكثر عرضة للهجمات السيبرانية.
وفي السابق، كان اختراق شبكة معلومات قد يؤدي إلى تسريب بيانات.
أما في المدن الذكية، فقد تكون النتائج أكبر بكثير.
ماذا لو تمكن مهاجم إلكتروني من الوصول إلى أنظمة التحكم في إشارات المرور؟
أو إلى شبكات الكهرباء؟
أو إلى محطات المياه؟
أو إلى قواعد البيانات المركزية؟
في هذه الحالة، لا يعود الأمر مجرد هجوم إلكتروني، بل قد يتحول إلى أزمة تمس حياة آلاف المواطنين.
ولهذا تعتبر البنية التحتية الرقمية اليوم جزءًا من الأمن القومي في كثير من الدول.
فالمدينة الذكية ليست مجرد برنامج حاسوبي، بل شبكة معقدة من الأنظمة التي تعتمد على الاتصال المستمر.
وأي نقطة ضعف فيها قد تتحول إلى مدخل لهجوم واسع النطاق.
هل الذكاء الاصطناعي محايد؟
كثيرًا ما يُقال إن الخوارزميات لا تعرف التحيز.
لكن الواقع أكثر تعقيدًا.
فالخوارزمية تتعلم من البيانات التي تُغذى بها.
وإذا كانت البيانات ناقصة أو منحازة، فقد تنعكس هذه المشكلات على النتائج.
ولهذا تؤكد منظمات دولية، مثل اليونسكو ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، على ضرورة أن تكون أنظمة الذكاء الاصطناعي شفافة، وقابلة للمراجعة، وخاضعة للمساءلة، خاصة عندما تُستخدم في الخدمات العامة أو في اتخاذ قرارات تؤثر في حياة المواطنين.
وبالنسبة للمدن الذكية، فإن هذا المبدأ يكتسب أهمية مضاعفة، لأن القرارات قد تمتد إلى النقل، والطاقة، والخدمات البلدية، وإدارة الأزمات.
فلاديفوستوك… تجربة محلية أم نموذج عالمي؟
قد تبدو فلاديفوستوك مدينة بعيدة عن العالم العربي أو أوروبا.
لكن ما يحدث فيها يعكس اتجاهًا عالميًا يتسارع عامًا بعد عام.
فالمدن في مختلف أنحاء العالم تتجه نحو الاعتماد على البيانات والذكاء الاصطناعي لإدارة مواردها.
وتختلف النماذج من دولة إلى أخرى، لكن الهدف المشترك هو بناء مدن أكثر كفاءة واستدامة.
ويبقى التحدي في تحقيق هذا الهدف دون التضحية بالخصوصية أو الشفافية أو حق المواطنين في معرفة كيف تُتخذ القرارات التي تؤثر في حياتهم اليومية.
المدن الذكية… بين الوعد والواقع
لا يختلف اثنان على أن الذكاء الاصطناعي أصبح أحد أهم محركات التطور في العالم. فخلال سنوات قليلة، انتقلت تطبيقاته من الهواتف الذكية إلى المستشفيات والمصانع والبنوك والمطارات، ثم إلى المدن نفسها.
وتعد المدن الذكية اليوم من أسرع القطاعات نموًا، إذ تتسابق الحكومات لبناء بنية تحتية قادرة على إدارة المرور، والطاقة، والمياه، والخدمات العامة بكفاءة أعلى، مع تقليل الهدر وتحسين سرعة الاستجابة للطوارئ.
لكن هذا التطور يفرض معادلة جديدة.
كلما أصبحت المدينة أكثر ذكاءً، أصبحت أكثر اعتمادًا على البيانات.
وكلما زادت البيانات، ازدادت أهمية الجهة التي تجمعها وتحللها وتقرر كيفية استخدامها.
ولهذا لم يعد النقاش يدور حول التكنولوجيا وحدها، بل حول الحوكمة والشفافية والرقابة.
فلاديفوستوك… نموذج لمرحلة جديدة
ما يحدث في فلاديفوستوك لا يمكن اعتباره مشروعًا محليًا معزولًا.
فالمدينة أصبحت نموذجًا يجسد التحول الذي تشهده روسيا في مجال الذكاء الاصطناعي، خاصة بعد أن أصبح تطوير التقنيات المحلية جزءًا من استراتيجية الأمن القومي والسيادة التكنولوجية.
وبينما تركز التصريحات الرسمية على تحسين الخدمات، وخفض استهلاك الطاقة، وتطوير البنية التحتية، يرى خبراء في حوكمة الذكاء الاصطناعي أن نجاح مثل هذه المشروعات لا يعتمد على التكنولوجيا وحدها، بل أيضًا على وجود أطر قانونية واضحة تنظم إدارة البيانات، وتحمي الخصوصية، وتضمن إمكانية مساءلة الأنظمة الذكية عند وقوع أخطاء.
فالمدينة الذكية ليست مجرد أجهزة استشعار وكاميرات، بل منظومة تتخذ قرارات تؤثر في حياة السكان بشكل يومي.
هل نحن أمام ثورة عمرانية أم ثورة في السلطة؟
منذ الثورة الصناعية، كانت السلطة ترتبط بمن يملك المصانع أو مصادر الطاقة أو وسائل الإنتاج.
أما اليوم، فإن السلطة تتخذ شكلًا مختلفًا.
من يمتلك البيانات…
ومن يمتلك الخوارزميات…
ومن يمتلك القدرة على تحليل ملايين المعلومات في الزمن الحقيقي…
يمتلك قدرة غير مسبوقة على فهم المجتمع وإدارة موارده.
وهذا لا يعني بالضرورة وجود نوايا للسيطرة أو المراقبة، لكنه يوضح أن التقنيات الحديثة تمنح المؤسسات، سواء كانت حكومية أو خاصة، أدوات لم تكن متاحة في السابق.
ولهذا يؤكد العديد من الباحثين أن مستقبل المدن الذكية يجب أن يقوم على مبدأ “الثقة قبل التكنولوجيا”، أي أن يشعر المواطن بأن الأنظمة التي تدير مدينته تعمل وفق قواعد واضحة، ويمكن مراجعتها ومحاسبتها.
ماذا تقول التجارب العالمية؟
تجارب المدن الذكية حول العالم تقدم دروسًا متنوعة.
في سنغافورة، تعتمد الحكومة على الذكاء الاصطناعي والبيانات لتحسين النقل والخدمات وإدارة الموارد، مع التركيز على التخطيط الحضري طويل الأمد.
وفي الاتحاد الأوروبي، تُلزم التشريعات المؤسسات بمبادئ صارمة لحماية البيانات والشفافية، ويُعد النظام العام لحماية البيانات (GDPR) أحد أبرز الأمثلة على ذلك.
أما الصين، فقد وسعت استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجالات متعددة، من إدارة المرور إلى الخدمات العامة، في إطار نموذج يركز على التكامل التقني واسع النطاق.
أما روسيا، فتسير في مسارها الخاص، الذي يجمع بين تحديث البنية التحتية، وتعزيز الاستقلال التقني، وتقليل الاعتماد على التكنولوجيا الأجنبية.
ورغم اختلاف النماذج، يبقى التحدي المشترك هو تحقيق التوازن بين الابتكار وحماية الحقوق.
الخلاصة
قد تبدو فلاديفوستوك اليوم مدينة بعيدة جغرافيًا عن العالم العربي، لكنها تعكس تحولًا عالميًا لن يقتصر على روسيا.
فالمدن الذكية لم تعد مشروعًا للمستقبل، بل أصبحت واقعًا يتشكل أمام أعيننا.
والذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد برنامج يساعد الإنسان، بل أصبح جزءًا من البنية التي تدير الحياة اليومية.
ويبقى السؤال الحقيقي ليس:
هل سنبني مدنًا ذكية؟
فهذا يحدث بالفعل.
بل:
كيف سنبنيها؟
وهل ستكون هذه المدن شفافة، تحترم خصوصية سكانها، وتخضع أنظمتها للمساءلة؟
أم ستصبح الخوارزميات طرفًا خفيًا يتخذ قرارات تؤثر في حياة الناس دون أن يعرفوا كيف وصلت إليها؟
فلاديفوستوك قد لا تقدم الإجابة النهائية، لكنها تقدم نموذجًا يستحق الدراسة.
لأن ما يُختبر اليوم في مدينة واحدة، قد يصبح بعد سنوات معيارًا تتبعه مدن أخرى حول العالم.
وفي النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا أمام الحكومات والشركات والمجتمعات على حد سواء:
من يملك المدينة؟
هل يملكها سكانها؟
أم من يملك البيانات التي تنتجها؟
أم من يكتب الخوارزميات التي تديرها؟
ربما لا تكون الإجابة بسيطة، لكن المؤكد أن مستقبل المدن لن يُرسم بالإسمنت والحديد فقط، بل بالبيانات والخوارزميات والثقة التي ستمنحها المجتمعات لهذه التكنولوجيا.



