غلاء المهور وآثارها على المجتمع

البروفيسور/ محمد أديب محمود عبدالسلام
أستاذ الإعلام الحديث
حديث اليوم عن غلاء المهور وآثارها على المجتمع؛ على الرجل، وعلى المرأة، وعلى الأسرة، وعلى المجتمع بأسره.
كتبت قبل أيام وتحدثت عن ظاهرة غلاء قصور الأفراح وما يصاحبها من بذخ، وكذلك عن المآتم، أفراحنا وأتراحنا، واستحسن الكثير ذلك الحديث، والحمد لله، وجاءتني رسائل عديدة من الإخوة الأفاضل يطلبون أن يكون الحديث عن غلاء المهور وما يصاحبه من آثار تؤثر في مسيرتنا الاجتماعية وترابطنا الأسري.
وأقول وبالله الاعتماد:
إن معالي وزير الشؤون الإسلامية وجّه خطباء المساجد في الجمعة الماضية إلى أن يكون حديثهم عن غلاء المهور، وقد أسهب الكثير منهم وأجادوا وأحسنوا، فلهم كل الشكر والتقدير، وللقائمين على هذا الأمر، ولكل من ألقى السمع وأصغى وتأثر بما سمع.
وأوجه حديثي إلى الآباء وأولياء الأمور، فأذكركم ونفسي بقول المصطفى ﷺ:
«أكثرهن بركة أقلهن كلفة، وأقلهن مهرًا.»
ولم يحدد الله سبحانه وتعالى في كتابه مقدارًا معينًا للمهر، وعندما أراد الفاروق عمر رضي الله عنه أن يحد من المهور، راجعته امرأة، فقال كلمته المشهورة:
«أصابت امرأة وأخطأ عمر.»
وينبغي أن ننظر إلى المجتمع نظرة موضوعية؛ فأبو البنت هو أيضًا أبو أبناء، وكل أسرة فيها بنون وبنات، والإحصان لهم جميعًا واجب.
ونحن اليوم بحاجة إلى الرحمة حتى يتحقق قول الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.
فكيف يتحقق ذلك، والشاب يستدين، ويحصل على معونة الزواج، ويشتري سيارة بالتقسيط، ثم تثقل كاهله الديون والهموم، ليقيم حفل زواج ويؤسس أسرة؟
هيهات في ظل هذه الظروف، وهذه المبالغات، وهذه الاشتراطات.
وأعرف أناسًا أفاضل، عندما تقدم خاطب لبناتهم قالوا له: تعال تغدَّ أو تعشَّ عندنا، واجتمع الأقارب والجيران، وانتهى الأمر، وأخذ عروسه بلا تكاليف تثقل كاهله.
وأقسم بالله أنني رأيت هذه الأسر من أسعد وأنجح الأسر، واليوم أبناؤهم على وشك الزواج وتكوين أسر جديدة.
هذا هو المطلوب، وهذا هو العقل، وهذا هو المنطق.
أما أن نغالي في المهور، وفي تكاليف الزواج، وفي الهدايا، وفي كل شيء، ثم نتحدث بعد ذلك عن الطلاق، والفراق، والنشوز، والخلع، والفسخ، فهذه النتائج لا تأتي من فراغ، وإنما هي ثمرة لبدايات خاطئة.
إن الأسرة يجب أن تُبنى على أسس سليمة، حتى يستمر عطاؤها، ويكون بنيانها راسخًا، قائمًا على التفاهم والمحبة والود، لا على المغالاة والتكلف.
وقد قال لي أحدهم: اتصلت بمخطوبتي وسألتها عن طولها، فلما أخبرتني حسبت التكاليف، فوجدت أن زواجي سيكلف أكثر من ثلاثمائة وخمسين ألف ريال، بين مهر، وعرس، وتجهيزات، وشهر عسل، وغيرها من أمور ما أنزل الله بها من سلطان.
فأقول كما قال الحبيب ﷺ: «رفقًا بالقوارير.»
وقال أيضًا: «اتقوا الله في النساء.»
وكان من آخر وصاياه ﷺ: «الله الله في النساء.»
ولنا في زواج فاطمة رضي الله عنها من علي بن أبي طالب رضي الله عنه خير مثال؛ فقد كان جهازها من أيسر ما يكون، وهي بنت سيد الخلق ﷺ، ومع ذلك خرج من هذا البيت المبارك خيرٌ عمَّ الأمة إلى يومنا هذا.
وفي الختام أقول:
فلنتقِ الله فيما استرعانا، ولنرفق ببناتنا وأبنائنا، ولنيسر أمر الزواج، فإن في التيسير بركة، وفي الرحمة استقرارًا للأسرة، وصلاحًا للمجتمع.
﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾
والله المستعان



