مقالات و رأي

هوس القيادة وعشق الإدارة..جنون القلم حين تنزف الفكرة.

✍️: سعود السحيمي

في لحظة لا تشبه سواها تنزف الفكرة من أعماق العقل كما ينزف الضوء من شقوق الفجر. فيلتقطها قلم أصابه جنون المعرفة وهوس القيادة، فيبدأ رحلة لا يعرف لها نهاية. رحلة لا يسير فيها على الطرق المعبدة، انما يشق لنفسه دروبا بين الأسئلة الكبرى. حيث تتحول الإدارة من وظيفة إلى فلسفة، ومن ممارسة إلى عقيدة فكرية تسكن الروح.

هناك قادة يعملون لأنهم مطالبون بالعمل، وهناك قادة يعيشون الإدارة كما يعيش العاشق معشوقته. يستيقظون على فكرة، وينامون على مشروع، ويقضون أعمارهم يبحثون عن سر جديد في النفس البشرية، لأنهم أدركوا أن أعقد الأنظمة ليست تلك المكتوبة في الأدلة التنظيمية، انما تلك المختبئة داخل الإنسان.

وحين يجن القلم لا يكتب عن المكاتب والكراسي والاجتماعات، انما يكتب عن المعارك الصامتة التي يخوضها القائد مع ذاته. فالإدارة الحقيقية تبدأ عندما ينتصر الإنسان على غروره. والقيادة الحقيقية تولد عندما يتعلم المرء كيف يقود نفسه قبل أن يقود الآخرين.

في فلسفة الهوس الإداري لا وجود لكلمة اكتفيت. فكل إنجاز ليس سوى نقطة بداية لإنجاز أكبر، وكل نجاح مؤقت ما لم يتحول إلى ثقافة مستدامة. لذلك يبقى القائد الحقيقي جائعاً للمعرفة مهما ارتفع وعطشانا للحكمة مهما شرب من ينابيع الخبرة.

ومن غرائب القيادة أن أعظم القرارات لا تصنعها العبقرية وحدها، انما يصنعها الوعي. فالعبقري قد يرى الفرصة، أما القائد الواعي فيرى الفرصة والمخاطر والطريق بينهما.

القائد العاشق للإدارة لا ينظر إلى الموظف كرقم ولا إلى الفريق كأداة، انما يرى في كل إنسان مشروع نجاح مؤجلاً ينتظر من يوقظه. ولذلك كانت أعظم الاستثمارات ليست في المباني ولا في التقنيات انما في بناء الإنسان.

ومن هوس الفكر القيادي أن الفشل لا يخيف صاحبه، لأنه يعلم أن السقوط جزء من رحلة الصعود. فكل تجربة خاسرة تحمل بين طياتها درسا لا تمنحه النجاحات السهلة. ولهذا فإن القادة الكبار لا يعدون أخطاءهم ندوبا. انما أوسمة خبرة صنعتها ميادين الحياة.

وفي دهاليز الإدارة يكتشف المرء حقيقة مدهشة. أن النفوذ لا يصنع الاحترام وأن السلطة لا تصنع الهيبة، وأن المنصب لا يصنع القائد. فالألقاب تمنحها الأنظمة، أما القيادة فتمنحها القلوب.

كلما تعمق القائد في فلسفة الإدارة ازداد يقينا أن النجاح ليس الوصول إلى القمة، انما البقاء فيها دون أن يفقد الإنسان نفسه. فالصعود مهارة أما الثبات فحكمة.

وحين تبلغ الفكرة ذروة نزيفها. ويبلغ القلم ذروة جنونه. يدرك صاحب الرسالة أن القيادة ليست علما يقرأ فقط ولا فنا يمارس فقط انما حالة استثنائية من الشغف الدائم. شغف يجعل صاحبه يرى في كل أزمة فرصة، وفي كل تحد درسا، وفي كل إنسان عالما يستحق الاكتشاف.

هكذا يبدأ الهوس الإداري. فكرة صغيرة تسقط في عقل قائد ثم تتحول إلى فلسفة ثم إلى مشروع ثم إلى أثر ثم إلى إرث يبقى بعد أن يغيب صاحبه. فالقادة يرحلون أما الأفكار العظيمة فتبقى تقود الأجيال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى