مقالات و رأي

القيادة مسؤولية وأخلاق… وليست سباقًا في الطريق

روافد. سلوى الجهني

لم تعد القيادة اليوم مجرد وسيلة انتقال من مكان إلى آخر، بل أصبحت مرآة حقيقية لأخلاق الإنسان ووعيه واحترامه للمجتمع. فالطريق مساحة مشتركة بين الناس، يتقاسمها الكبير والصغير، والمستعجل والمتأني، ومن خرج لقضاء حاجة بسيطة ومن يسعى إلى عمله.

ومع ذلك نرى في بعض الطرقات مشاهد مؤسفة من الفوضى والاندفاع، وكأن الطريق تحوّل إلى ساحة صراع لا إلى ممر للحياة اليومية.
إن القيادة ليست مجرد معرفة بكيفية الإمساك بالمقود أو التحكم في السيارة، بل هي قبل كل شيء سلوك حضاري يقوم على الصبر والتقدير واحترام الآخرين. فالمهارة الحقيقية للسائق لا تُقاس بقدرته على السرعة أو المناورة بين السيارات، وإنما بقدرته على ضبط نفسه، وإدراك أن كل من حوله بشر لهم حقوقهم وظروفهم.
في كثير من الأحيان نشاهد ازدحامًا أمام المحلات التجارية، وأصواتًا متكررة لمنبهات السيارات، وتسابقًا عند أماكن الالتفاف، وكأن كل سائق يرى نفسه الأحق بالمرور أو الوقوف.

البعض يقود سيارته وكأنه في لعبة إلكترونية، يراوغ بين السيارات بسرعة متهورة، غير مدرك أن هذه الثواني التي يحاول اختصارها قد تتحول إلى كارثة إنسانية أو حادث مؤلم.
والحقيقة التي يغفل عنها كثير من السائقين أن الوصول المتأخر بضع دقائق أفضل من الوصول على حساب سلامة الآخرين. فكم من حادث وقع بسبب لحظة تهور أو استعجال، وكم من أسرة فقدت عزيزًا بسبب تصرف غير مسؤول في الطريق.
وقد أشارت تقارير منظمة الصحة العالمية (World Health Organization) إلى أن حوادث الطرق تُعد من أبرز أسباب الوفاة عالميًا، وأن نسبة كبيرة منها تعود إلى السرعة المفرطة وعدم الالتزام بأنظمة السلامة المرورية. وهذا يدل على أن المشكلة ليست في الطريق وحده، بل في ثقافة القيادة وسلوك السائق.
ومن المؤسف أن بعض الناس أصبحوا يتجنبون الخروج في أوقات المواسم أو المناسبات بسبب الفوضى المرورية والقيادة المتهورة. فالخروج لقضاء الاحتياجات أو للاستمتاع بوقت بسيط أصبح أحيانًا مصدر توتر وخوف بسبب قلة الوعي لدى بعض السائقين.
إن دين الإسلام الذي يحث على مكارم الأخلاق لم يغفل حتى عن أدق تفاصيل التعامل بين الناس. فقد قال النبي ﷺ: «لا يقيم الرجلُ الرجلَ من مجلسه ثم يجلس فيه» (رواه البخاري ومسلم).
فإذا كان الإسلام ينهى عن أخذ مكان إنسان في مجلس، فكيف بمن يتسبب في أذى الآخرين في الطريق، أو يتعمد مضايقتهم بالسرعة أو الإزعاج أو الاعتداء على حقوقهم في المرور؟
إن احترام الطريق جزء من احترام المجتمع، والوعي المروري ليس مسؤولية الجهات الرسمية فقط، بل مسؤولية كل فرد يقود مركبة. فالسائق الواعي يدرك أن أمامه ربما أسرة كاملة، أو كبير سن، أو شخصًا مريضًا، أو أمًا مع أطفالها. وكل هؤلاء لهم الحق في طريق آمن يسوده النظام والهدوء.
إن الطريق ليس ساحة لإثبات القوة أو التفوق، بل مساحة للتعاون والاحترام. والقيادة الهادئة تعكس شخصية متزنة وواعية، تدرك أن السلامة لا تعني فقط حماية النفس، بل حماية الآخرين أيضًا.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل سائق على نفسه:
هل أقود سيارتي لأصل بسلام، أم لأثبت أنني الأسرع؟
فالفرق بين السائق المتهور والسائق الواعي ليس في سرعة السيارة، بل في أخلاق الإنسان خلف المقود.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى