فلسفة البياض والتفاؤل في الذاكرة الحجازية

د. شاكر محجوب

تستيقظ الذاكرة الحجازية مع إشراقة أول أيام السنة الهجرية الجديدة على تفاصيل تفيض بالبهجة والسلام، حيث تتحول العادات الموروثة إلى طقوس يومية دافئة تدعو إلى الاستبشار بما هو قادم.
تبدأ الحكاية مع كوب حار من القهوة اللوزية الحلوة التي تصنعها الأيدي بحب، لتنشر في الأرجاء رائحة الهيل والمستكة والمودة.
يقولون في أزقة مكة وجدة والمدينة إن اللذة والصفاء في هذا الكوب يعكسان حلاوة الأيام المقبلة ونقاءها، وهي وإن بدت للبعض مجرد عادة عابرة أو قصة يتوارثها الأبناء عن الأجداد، إلا أنها تحمل في طياتها فلسفة عميقة للتصالح مع الحياة.
وبينما ينشغل كثيرون بالبحث في مدى صحة هذه الطقوس وجذورها، يرى فيها آخرون مساحة رحبة لتطبيق المبدأ الإنساني النبيل “تفاءلوا بالخير تجدوه”، دون تكلف أو غلو، بل تمرير للأمل في النفوس بصورة عفوية دافئة.
يتجلى هذا التفاؤل الحجازي في مظهر الناس وبيوتهم، حيث يتشح الأهالي بالبياض الناصع في لباسهم، ويسكبون الحليب الصافي في كؤوس الصباح، لا بدافع الاحتفال الطقسي، بل كدعوة بصرية ونفسية لغد أفضل تشرق فيه القلوب بالسلام.
تنسحب هذه النظرة الإيجابية حتى على مائدة الطعام التي تُعد بعناية لتجمع العائلة؛ فيتربع السليق الحجازي الشديد البياض كأنه مرآة لعام نقي خاوٍ من الأكدار، بينما ترافقه الملوخية الخضراء الناعمة كعروس تمنح السفرة بهجة بصرية، متمنين بها أن تتبدل صحراء الإحباط والجفاف بربيع من النماء والخصب والسرور.
إنها دعوة للابتسام مع كل بداية جديدة، ومزج رائع بين الاستغفار والرجاء، فلا مانع يمنع الإنسان من أن يستغفر ربه بنية التطهير، ثم يبتسم متفائلاً بيوم جديد وعام يحمل في طياته الخير والبركة.



