نهاية إسرائيل في “عيون المسيري”

بقلم / هيثم عبدالحميد
لم يعد الحديث عن زوال إسرائيل مجرد أمنية عاطفية أو نبوءة دينية، بل تحول إلى تحليل موضوعي يستند إلى قراءة عميقة للظاهرة الصهيونية ومعطيات متزايدة على الأرض تدعمها استطلاعات الرأي وتصريحات لقادة إسرائيليين ومؤرخين تؤكد بدأ مرحلة الزوال.
المفكر المصري الراحل عبد الوهاب المسيري، صاحب الموسوعة الشاملة في اليهود واليهودية والصهيونية، قدم إطاراً نظرياً متكاملاً لفهم أسباب الزوال الحتمي، وهو إطار تجد ملامحه طريقها إلى الواقع اليوم بشكل متسارع.
أولاً: رؤية المسيري للصهيونية كظاهرة وظيفية مؤقتة؟
قدم المسيري تحليلاً مختلفاً عن التحليلات التقليدية. لم ينظر إلى إسرائيل كدولة طبيعية أو ككيان ديني، بل رآها “دولة وظيفية” استعمارية استيطانية، أوجدتها الإمبريالية الغربية لتخدم مصالحها في المنطقة.
الوظيفية تعني أن الكيان ليس غاية في ذاته، بل أداة. والأداة تصبح بلا قيمة حين تتعارض مع مصالح صانعها، أو حين يرتفع ثمنها عن عائدها. بحسب المسيري، هذه الوظيفية تحمل بذور الزوال في صميمها لثلاثة أسباب:
1. التناقض الداخلي: إسرائيل تجمع بين متناقضات لا يمكن التوفيق بينها: يهودية وديمقراطية، علمانية ودينية، هوية يهودية وهوية إسرائيلية.
2. العزلة الحضارية: إسرائيل جسم غريب في محيط عربي وإسلامي، وسياقها الحضاري يتناقض مع محيطها.
3. الاعتماد على الخارج: الكيان لا يملك مقومات البقاء الذاتية، ويعتمد وجوده على دعم خارجي غير مضمون الاستمرار.
المسيري كتب قبل وفاته عام 2008 أن إسرائيل “لن تعمر طويلاً”، متوقعاً أن مؤشرات الزوال ستتكشف خلال عقود. ما نراه اليوم يوافق هذا التحليل.
ثانياً: العزلة الدولية المتصاعدة؟
منذ 7 أكتوبر 2023، واستمرار الحرب، حدث تحول جذري في مكانة إسرائيل الدولية:
· الرأي العام العالمي: تحول غير مسبوق ضد إسرائيل في أميركا وأوروبا والجامعات والنقابات والمجتمع المدني. مظاهرات الملايين في لندن وباريس وبرلين ليست تضامناً عابراً، بل تعبير عن تغير بنيوي في الوعي الغربي خاصة جيل الشباب.
· المحاكم الدولية: إجراءات محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، واتهامات الإبادة الجماعية، ومذكرات الاعتقال بحق قادة إسرائيليين؛ تجرد إسرائيل من شرعيتها القانونية والأخلاقية.
· العزلة الدبلوماسية: سحب سفراء، قطع علاقات، اعترافات متزايدة بالدولة الفلسطينية، تصويتات أممية متتالية ضد إسرائيل بأغلبية ساحقة.
· المقاطعة الاقتصادية والثقافية: حركة BDS تنمو، وفنانون ومؤسسات يقاطعون، والمكانة المعنوية لإسرائيل تنهار.
هذه العزلة ليست هامشية. المسيري تحدث عن أن إسرائيل بلا عمق استراتيجي ولا عمق حضاري. العزلة الحالية تحقق هذا التحذير بدقة.
ثالثاً: تراجع الدعم الأمريكي – الشرارة الأخطر؟
الولايات المتحدة هي الركيزة التي تقوم عليها إسرائيل منذ 1948. لكن هذه الركيزة تتصدع:
· الانقسام الداخلي الأمريكي: الجيل الشاب من اليهود الأمريكيين (تحت سن 35) بات أكثر انتقاداً لإسرائيل. استطلاعات الرأي تظهر تراجعاً حاداً في التأييد بين الشباب عموماً والتقدميين خصوصاً.
· الحزب الديمقراطي: الأصوات المطالبة بوقف الدعم غير المشروط لإسرائيل تتعاظم. الانتخابات التمهيدية والأصوات الاحتجاجية في ولايات متأرجحة مثل ميشيغان تنذر بأن دعم إسرائيل لم يعد ورقة رابحة انتخابياً وأصبح اللوبي اليهودي سيئ السمعة!
· نهاية الإجماع الاستراتيجي: التيار الواقعي في السياسة الخارجية الأمريكية، والمفكرون الاستراتيجيون، بدأوا يتساءلون علناً: هل إسرائيل عبء استراتيجي بدل أن تكون رصيداً؟ كتابات جون ميرشايمر وستيفن والت عن “اللوبي الإسرائيلي” أصبحت تياراً رئيسياً.
· التحولات الجيوسياسية: صعود الصين وروسيا، وتحول الاهتمام الأمريكي إلى آسيا والمحيط الهادئ، يقلص أهمية الشرق الأوسط، ويجعل إسرائيل أقل مركزية في الحسابات الأمريكية.
المسيري شدد على أن إسرائيل كيان “مفتعل اصطناعي” لا يمكنه البقاء دون رعاية إمبريالية. إذا تزعزعت هذه الرعاية – وهذا ما بدأ يحدث – فإن أساس الوجود يهتز.
رابعاً: الأزمة الداخلية الإسرائيلية كعلامة زوال؟
المسيري أسهب في تحليل التناقضات الداخلية الخمسة للصهيونية:
1. تناقض اليهودية والصهيونية (الدين مقابل الأيديولوجيا السياسية)
2. تناقض الديمقراطية واليهودية (دولة يهودية حصرية لا يمكنها أن تكون ديمقراطية حقيقية)
3. تناقض العلمانية والدينية (الصراع الداخلي على هوية الدولة)
4. تناقض الإشكناز والسفارديم (التمييز العرقي الداخلي)
5. تناقض الصهيونية العالمية والصهيونية المحلية (اليهودي في المنفى مقابل الإسرائيلي)
كل هذه التناقضات انفجرت بشكل غير مسبوق: الانقلاب القضائي 2023، الاحتجاجات الجماهيرية، أزمة التجنيد للحريديم، هجرة العقول المعاكسة المتزايدة، الشعور بعدم الأمان الوجودي حتى بعد أقوى حرب خاضتها إسرائيل.
خامساً: لماذا هذه المرة مختلفة؟
يجادل البعض بأن إسرائيل واجهت تهديدات سابقة ونجت. لكن الوضع الحالي مختلف:
· حرب 7 أكتوبر كشفت هشاشة العقيدة الأمنية الإسرائيلية. صورة “الجيش الذي لا يقهر” تحطمت.
· الفشل في تحقيق أهداف الحرب: بعد عامين ونصف، حماس لم تُقهر، والأسرى لم يستردوا إلا بصفقات، والردع “خرم”.
· جبهات متعددة: لبنان، اليمن، العراق، إيران – إسرائيل تخوض حرباً وجودية متعددة الجبهات لأول مرة في تاريخها.
· الاقتصاد تحت الضغط: تكلفة الحرب تجاوزت 100 مليار دولار، الاستثمارات الأجنبية تتراجع، السياحة انهارت، والتكنولوجيا الفائقة (هايتك) بدأت تهاجر.
عبد الوهاب المسيري لم يحدد تاريخاً لزوال إسرائيل، لكنه قدم إطاراً تحليلياً يقول إن إسرائيل “كيان هش يحمل تناقضاته في صميمه، وسيزول حين تتعارض وظيفته مع محيطه أو مع راعيه”.
هذا التعارض صار واقعاً: إسرائيل أصبحت عبئاً على الراعي الأمريكي، وجسماً غريباً يرفضه محيطه، وكياناً ممزقاً داخلياً.
قد لا يكون الزوال غداً، وقد لا يكون 2028، وقد يأخذ شكل انهيار مفاجئ أو تفكك تدريجي. لكن مؤشرات المسيري تتحقق؛ الدولة الوظيفية تفقد وظيفتها، والدولة الاستيطانية تواجه ثورة المحيط، والدولة المصطنعة تواجه استعصاء الاستمرار.
التاريخ لم يكتب نهايته بعد، لكن مساره بات واضحاً لمن يقرأ بعيون المسيري.
“عقبال مائة عام” لم تسمعها إسرائيل طوال التاريخ؟



