مقالات و رأي

المهنة السرية

✍🏻 مـنيرا العـتيبي – كاتـبة سعـوية

ليست كل طاقةٍ تُبذل… تُثمر.

فهناك من يعود آخر النهار مرهقًا، لا لأنه أنجز كثيرًا، بل لأنه استهلك نفسه في كل شيء… إلا ما يستحق. ساعاتٌ من الانفعال، والمقارنات، ومراقبة الآخرين، والخصومات التي لا تضيف إلى العمر إلا مزيدًا من الاستنزاف. ثم ينتهي اليوم، ولا يبقى منه سوى التعب.

وللوهلة الأولى، نظن أن المشكلة في كثرة الانشغالات، بينما المشكلة الحقيقية قد تكون في الوجهة التي ذهبت إليها الطاقة.

فالإنسان لا يستطيع أن يوقف طاقته، بل يختار فقط الاتجاه الذي تسير فيه. فإن وجدت حلمًا، بنته. وإن وجدت علمًا، تعلمته. وإن وجدت عملًا، أتقنته. وإن وجدت رسالة، حملتها.

لكن ماذا يحدث حين لا تجد شيئًا من ذلك ، إنها لا تموت… بل تغيّر وجهتها.
وقد تتجه هذه الطاقة، حين تغيب عنها الوجهة، إلى خصومات لا تنتهي، أو مقارنات تستنزف صاحبها، أو انشغالٍ مفرط بحياة الآخرين، أو انفعالٍ دائم تجاه أحداث لا تغيّر من واقعه شيئًا. وليس المقصود أن كل خصومة أو مقارنة سببها الفراغ، لكن الفراغ أحد أكثر البيئات التي تسمح لهذه الأنماط بالنمو؛ لأن الطاقة التي لا تجد ما تبنيه… تبحث عمّا تستهلك نفسها فيه.

وهنا تكمن المفارقة ، فالإنسان قد يعود آخر النهار منهكًا، ويقسم أنه كان مشغولًا طوال اليوم، وهذا صحيح. لكنه إذا سأل نفسه: ماذا بنيت اليوم؟ فقد لا يجد جوابًا.

لقد استهلك طاقةً حقيقية… لكنها لم تتحول إلى قيمة ، وهذا هو الفرق بين الحياة الممتلئة، والحياة المزدحمة.
فالأولى تُضيف إليك… أما الثانية فتستهلكك.

ولذلك، فالمشكلة ليست في كثرة الوقت، بل في غياب الوجهة. فالوقت قد يكون ممتلئًا، ومع ذلك يبقى الإنسان فارغًا من المعنى. أما الطاقة التي تفقد وجهتها، فإنها لا تختفي، بل تبحث عن أي منفذ؛ فتستنزف العلاقات، وتضخم الخصومات، وتشغل الإنسان بكل ما يستهلكه… دون أن يضيف إليه شيئًا.

وأخطر ما يفعله الفراغ أنه لا يأتيك على هيئة ساعاتٍ بلا عمل ، بل يأتيك على هيئة أيامٍ مزدحمة، وهواتف لا تهدأ، ونقاشات لا تنتهي، وانفعالات تستهلكك حتى تظن أنك تعيش حياةً مليئة.

لكن الحقيقة أن الانشغال ليس نقيض الفراغ… بل قد يكون أحيانًا أكثر صوره خداعًا.
فالفراغ لا يسرق وقت الإنسان… بل يستأجر طاقته في أعمالٍ لا تعود عليه بشيء ، ولا يطلب منه أن يتوقف عن العمل… بل يكفيه أن يعمل في الاتجاه الخطأ.

هذه… هي المهنة السرية للفراغ.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى