حين تكون أنت الجهة الآمنة …
الكاتبة / أمل بازيد
إعلامية لايف كوتش ماجستير إرشاد نفسي
ليس سهلًا أن تكون الشخص الذي يطمئن إليه الجميع.
أن يعرف الآخرون أن بإمكانهم الوصول إليك حين تضيق بهم الحياة، وأن يجدوا لديك مساحة لا يخشون فيها الحكم عليهم، وأذنًا تنصت، وعقلًا يحاول أن يفهم، وقلبًا يتسع لما عجزوا عن حمله وحدهم.
أن تكون جهة آمنة للآخرين قيمة إنسانية جميلة، وربما من أجمل ما يمكن أن يكونه الإنسان في حياة من يحب. لكن هذه المكانة قد تصبح مرهقة حين ينسى الجميع أن للملاذ أبوابًا تتعب من كثرة الطارقين، وأن من يمنح الطمأنينة ليس بالضرورة ممتلئًا بها.
ومع الوقت، يعتاد الناس منك الثبات.
يأتونك بأثقالهم لأنهم يعرفون أنك ستحتمل، ويحكون لك لأنك ستفهم، ويلجؤون إلى رأيك لأنك غالبًا ستبحث معهم عن مخرج. وحين تتكرر هذه الصورة طويلًا، يحدث أمر خفي: تتحول قوتك في أعينهم من ميزة إلى افتراض.
يفترضون أنك بخير لأنك لم تشتكِ، وأنك قادر لأنك اعتدت التدبير، وأن صمتك يعني أن الأمور تحت السيطرة.
لكن الصمت لا يعني دائمًا السلام، والقوة لا تعني غياب التعب.
فالإنسان الذي يحتوي الآخرين لا يفقد حاجته إلى الاحتواء، والذي يجيد قراءة الوجوه قد يتمنى أن يقرأ أحدهم وجهه، ومن اعتاد سماع ما وراء الكلمات قد يؤلمه ألا يسمع أحد ما وراء صمته.
ولعل أصعب ما في أن تكون الجهة الآمنة ليس كثرة الحكايات التي تصل إليك، بل أن تكتشف في لحظة ما أنك حين تحتاج إلى الأمان لا تعرف إلى أي جهة تذهب.
أن تكون حاضرًا في قوائم الآخرين عند الشدة، ثم تبحث في شدتك عمّن تستطيع أن تقول له دون مقدمات: «أنا متعب».
وهنا يظهر الفرق بين العطاء والاستنزاف.
فالعطاء الحقيقي لا يعني أن يستهلك الإنسان نفسه حتى لا يبقى منها شيء. ولعل في قول جبران خليل جبران: «المحبة لا تعطي إلا نفسها» معنى يستحق التأمل؛ فالمحبة عطاء، لكنها ليست إلغاءً للذات ولا تفريطًا بها.
فالاحتواء لا يعني أن نحمل حياة الآخرين على أكتافنا، والتعاطف لا يلزمنا بأن نعيش أوجاعهم بدلًا عنهم، والمحبة لا تجعلنا مسؤولين عن إصلاح كل ما انكسر في حياتهم.
يمكننا أن نصغي دون أن نتبنى المشكلة، وأن نساند دون أن نستنزف، وأن نكون قريبين دون أن نتحول إلى مسؤولين عن إنقاذ الجميع.
فالحدود لا تنتقص من إنسانيتنا، بل تحميها.
ومن حق الشخص الذي كان طويلًا مأوى للآخرين أن يغلق بابه أحيانًا ليستريح، وأن يعتذر عن الاستماع حين لا يملك القدرة، وأن يقول دون شعور بالذنب: لديّ أنا أيضًا ما أحمله.
ومن حقه كذلك ألا يكون قويًا طوال الوقت.
وفي قول علي بن أبي طالب: «وأكرم نفسك عن كل دنيّة» تذكير بأن صيانة النفس ليست أنانية، وأن الإنسان لا يُطالب بأن يهدر نفسه حتى يثبت صدق محبته للآخرين.
نحن لا نحتاج دائمًا إلى من يحل مشكلاتنا، وربما لا نبحث أصلًا عن الحل. أحيانًا نحتاج إلى ذلك الإنسان النادر الذي يلاحظ أن صوتنا فقد شيئًا من حيويته، وأن حضورنا أصبح أثقل، وأن صمتنا طال أكثر من المعتاد، وأن عبارة «أنا بخير» هذه المرة لم تكن مقنعة.
نحتاج إلى من لا يكتفي بالاحتماء بنا، بل ينتبه حين نحتاج نحن إلى مأوى.
لأن أجمل العلاقات ليست تلك التي يكون فيها أحد الطرفين قويًا إلى الأبد والآخر متكئًا عليه، بل تلك التي تتبادل فيها الأدوار بمحبة ودون حساب؛ مرة تكون أنت الكتف، ومرة يُسمح لك أن تميل.
فحتى الجهات الآمنة تحتاج إلى جهة آمنة.
وربما تكون أصدق صور المحبة أن تجد في حياتك من لا يأتي إليك فقط عندما يحتاجك، بل يعود إليك أحيانًا دون حاجة، فقط ليتأكد أنك بخير.
همسة أمل:
لا تجعل قدرتك على احتواء الآخرين تُنسيك حقك في أن تُحتوى؛ فالقلب الذي يمنح الأمان طويلًا يحتاج هو أيضًا إلى مكان يضع فيه أثقاله، وإلى إنسان لا يسأله دائمًا: ماذا تستطيع أن تفعل من أجلي؟ بل يسأله أحيانًا: من يفعل شيئًا من أجلك ؟



