أن ما كان لله حفظه الله: سر الطمأنينة في أرض الحرمين.

بقلم: بروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أستاذ علم البيولوجيا ومستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة.
من هنا وفي قلب الصحراء حيث تبدو الأرض هادئة ساكنة والسماء واسعة بلا حدود تبرز قصة مختلفة عن كل قصص الأمم .. هي قصة أرض اختارها الله لتكون موطن أقدس البقاع أرض المملكة العربية السعودية التي تحتضن في قلبها المسجد الحرام وفي ثنايا تاريخها أنوار المسجد النبوي الشريف..
لم تكن هذه الأرض مجرد صحراء عابرة في صفحات التاريخ، بل كانت مسرحاً لسنن إلهية تتكرر عبر الزمن وكأنها استراتيجية ربانية إلهية محكمة، تذكّر البشر بأن حماية المقدسات ليست بيد البشر وحدهم بل برعاية إلهية لا حاضرة لا تغيب.
ومن أقدم القصص التي يرويها المسلمون يظهر هذا المعنى بوضوح في حادثة عظيمة عُرفت باسم عام الفيل حينما خرج أبرهة الأشرم بجيش عظيم تتقدمه الفيلة الضخمة، عازماً على هدم الكعبة في مكة المكرمة .. في ظاهر الأمر كانت موازين القوة تميل لصالحه إذ يمتلك جيشاً ، وسلاحاً ، وهيبة. أما مكة المكرمة فكانت مدينة بسيطة تسكن بوادي غير ذي زرع لا تملك قوة عسكرية ترد بها هذا التهديد.
لكن قصص التاريخ في الفوز أو الهزيمة لا يُكتب دائماً بالقوة الظاهرة. فقد جاءت الحماية
بطريقة لا يتوقعها عقل البشر حين أرسل الله عزوجل طيوراً صغيرة تحمل حجارةً من سجيل، كما ورد في سورة الفيل ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ. أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ. وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ. تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ. فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُول) صدق الله العظيم (سورة الفيل، الآيات 1-5) فتحول الجيش المهيب العظيم إلى ذكرى في صفحات التاريخ. . فهذه الواقعة لم تكن مجرد حادثة عابرة، بل رسالة عميقة جداً حين تتعلق الأمور ببيت الله عزوجل فإن حسابات الأرض قد تتغير..
ومنذ ذلك الزمن، ظل الحرم مقصداً للقلوب ومهوى الأفئدة قبل الأقدام. مرّت القرون، وتعاقبت الدول، واشتعلت صراعات في مناطق كثيرة من العالم، لكن هذه الأرض بقيت تحمل خصوصية مختلفة. وكأن هناك قانوناً غير مكتوب يحكمها: وهي أن تبقى بوصلة للسلام والأمن والطمأنينة وسط عالم يرزح في كثير من الاضطراب.
وفي العصر الحديث، قامت المملكة العربية السعودية على خدمة الحرمين الشريفين، وتحمّلت مسؤولية تاريخية كبيرة في رعاية ملايين الزوار الذين يفدون كل عام لأداء الحج والعمرة.
قد يرى البعض في ذلك جهداً إدارياً وتنظيمياً هائلاً، لكنه في نظر المؤمنين هو جزء من منظومة أوسع من العناية الإلهية التي حفظت هذه الأرض عبر القرون.. وإن شاء الله تتوالى وتستمر العناية الإلهية، لتظل الأرض السعودية موئلاً للخير والنماء، وتزدهر بالسلام والأمان لكل من عليها من مواطنين وزوار وقاصدي البيت الحرام..
ولو تأملنا هذا التاريخ بنظرة أعمق سنجد أن ما يبدو أحداثاً متفرقة قد يكون في حقيقته سلسلة من “استراتيجيات العنايةالإلهية”. استراتيجية تقوم على مبدأ بسيط لكنه عظيم:
أن الله إذا أراد حفظ شيءٍ جعله محفوظاً بطرق قد لا يتوقعها البشر.
فأحيانًا يكون الحفظ بقوة الدولة وأحياناً كثيرة بحكمة القادة، وأحياناً بأحداث صغيرة تغيّر مجرى التاريخ. لكن النتيجة تبقى واحدة آلا وهي استمرار رسالة هذه الأرض الربانية كمركز روحي يجتمع عنده المسلمون من كل قارات العالم..
وهكذا تبقى القصة مستمرة بمشيئة الله وحفظه، ففي هدوء الليل بمكة والمدينة، تتغلغل الروحانيات في أجواء المكان، فتشعر النفس بالسكينة والطمأنينة.
هي حكاية متجددة تكتب كل يوم.. حكاية تقول إن بعض الأماكن في العالم لا تحرسها الجدران ولا الجيوش فقط، بل تحرسها عناية الله قبل كل شيء.
ولعل أجمل ما في هذه القصة أنها تروى وتمتد مع كل خطوة حاج يطوف، وكل دعاء يرتفع من قلب صادق، وكل شعور بالأمان يملأ صدور الزائرين والمعتمرين. وكأن الرسالة التي تهمس بها هذه الأرض منذ آلاف السنين ما زالت هي ” اللهم أحفظها بحفظك وأحرسها بعينك التي لا تنام ”
وبعد كل ما مرّ من أحداث وعواصف عبر التاريخ، تبقى الحقيقة التي يرددها الزمن في أرض المملكة العربية السعودية واضحة لا تتغير: أن ما كان لله، حفظه الله.



