مقالات و رأي

العيد.. حين تُزهرُ الروحُ ثمرًا للطاعة

د. شاكر محجوب

لا يأتي العيدُ كزائرٍ غريبٍ يطرق الأبواب في غفلةٍ من الزمن بل يطلُّ علينا كحصادٍ شهيٍّ لنبتةٍ رعاها المؤمن بدمع الخشية وصبر الامتناع. إنه الثمرة التي نضجت على أفنان شجرة الطاعة، تلك التي سُقيت بماء الصيام العذب، وتنفست ضياء اليقين في محاريب القيام، حتى استوت على سوقها في صبيحة يوم الجائزة.

إن العيد في حقيقته ليس مجرد بداية لموسم بهجة، بل هو خاتمة سامية لطريقٍ طويل من مجاهدة النفس. هو اللحظة التي تضع فيها القلوب أحمالها على شاطئ الأمان بعد رحلة غوصٍ عميقة في بحر الصبر. في العيد، تستريح الأرواح، لا لأن العبادة كانت عناءً يطلب الخلاص بل لأن فرحة الصوم بلغت تمامها، وآن للعبد أن يذوق ببرد اليقين حلاوة القبول.

في صبيحة العيد، تتجلى الأشياء في ثوبٍ قدسيّ؛ فتتحرر من رتابة العادة لتلبس بهاء العبادة. والزينة الحقيقية هنا ليست في قماشٍ يُشترى بمال بل في ثوبِ روحٍ جديدٍ نَسجه الإيمان خيطًا بخيط. النور الذي يملأ الطرقات ليس انعكاسًا لقرص الشمس فحسب بل هو فيضٌ من قلوبٍ عرفت ربها فاطمأنت، فاستضاءت بصيرتها بابتسامة الرضا. في هذا الفجر، تتسع الصدور وتخف الأثقال، ويشعر الإنسان بيقينٍ خفيّ أن مناجاته في جوف الليل قد بلغت مداها، وأن القبول هو الهبة العظمى التي لا تضاهيها هدايا الأرض.

وللعيد يدٌ حانية، تمتدُّ لتصل ما انقطع، وتوقظ المودة من سبات النسيان. في ساعاته، تُغسل القلوب بماء الصفح، وتستعيد البيوت دفئها الفطري؛ فيغدو القربُ عبادة، والزيارةُ شكرًا، والابتسامةُ صدقةً جارية. هو اليوم الذي يتسع فيه الإنسان ليحتوي الآخرين، فيتحول المجتمع إلى شجرةٍ واحدة ضاربةٍ في عمق الإنسانية، تتشابك أغصانها محبةً وتتعانق أرواحها قبل أجسادها.

إن العيد ليس يومًا يُطوى مع غروب شمسه، العيد منهجُ حياة يُحمل في القلب طوال العام. هو الدرس الأسمى الذي يعلمنا أن الطاعة لا تصادر الفرح بل تصنعه، وأن الحرمان المؤقت لم يكن إلا صعودًا في سُلّم الكمال الروحي. فإذا انقضى العيد، بقي في الروح أثره، وفي السلوك صِلته، ليظل الإنسان أقرب ما يكون إلى ربه، وأنفع ما يكون لخلقه، وأجمل ما يكون في عين نفسه. إنه فرحة الروح التي أتمت لله صبرها، فأشرق فيها نور الرضا كبشرى سماوية تقول: هذا يومُ حصادكم، فافرحوا بفضل الله وبرحمته.
كل عام وانتم بخير

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى