مقالات و رأي

ترنيمة القطرة الأخيرة: عن سُقيا الروح والحياة

بقلم : ديمة الشريف
في غمرة انشغالنا بتفاصيل الحياة الرتيبة، قد نغفل عن معجزاتٍ صغيرة تكمن في “بقايا” ظننا أنها لم تعد ذات نفع.
تلك القطرات القليلة من ماء حياة وأجر لك واحتسبها عنك وعن الآحياء والأموات فليست مجرد سائلٍ شارف على النفاد، بل هي أمانةُ الوجود، ورسالةُ حياةٍ تنتظر من يحملها من ضيق العدم إلى سعة الارتواء.
إنَّ إراقة ما تبقى من مائك في جوف الثرى، أو سكبها في وعاءٍ يترقبه طيرٌ عابر، ليس مجرد فعلِ توفير، بل هو تواصلٌ وجودي عميق. أنت هنا لا تسقي نبتةً فحسب، بل تُعيد ترتيب إيقاع الطبيعة؛ فالحجر الذي يندى بفضلك، والشجرة التي تستقبل قطراتك بامتنانٍ صامت، والحيوان الذي يجد في بقايا كوبك رياً لظئه، كلهم شهودٌ على نبلِ يدٍ عرفت أنَّ “القليل” عند الجوادِ كثير، وأنَّ البركة لا تُقاس بالحجم، بل بالأثر.
تأمل في تلك النبتة الواجمة بانتظار الغيث؛ كيف تهتزُّ طرباً وتنتعش عروقها حين تمنحها ما زاد عن حاجتك. إنها لغةٌ لا يفهمها إلا أصحاب القلوب الحية، الذين يرون في الماء “سرَّ الوجود” لا مجرد موردٍ للاستهلاك. فكلُّ قطرةٍ تُلقى في مكانها الصحيح هي أغنيةُ أمل تُغرس في الأرض، وهي صدقةٌ خفيةٌ تفيضُ رحمةً وتعود على صاحبها سكينةً وطمأنينة.
إنَّ حفظ النعمة هو أسمى مراتب الشكر، ومن استصغر شأن القطرة، لم يدرك بعد قيمة النهر. فلنجعل من بقايا مائنا جسوراً تعبر عليها الحياة إلى كائناتٍ لا تملك صوتاً لتطلب، لكنها تملك روحاً تسبحُ لله حين ترتوي. هي دعوةٌ لترميم علاقتنا بالأرض، ولنكن كالغيمة؛ أينما وقعت نفعت، حتى وإن كان وقعُها قطرةً يتيمة في أصيصٍ منسي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى