سأبقى كما أنا

بقلم : حفصه عبدالله العطاس
في بعض المواقف لا ننتصر لأن الطرف الآخر اعتذر.
ولا لأن الأمور عادت كما كانت.
ولا لأننا وجدنا التقدير الذي كنا ننتظره.
بل ننتصر لأننا لم نخسر أنفسنا.
أحيانًا نقف بين خيارين:
أن نعامل الناس كما عاملونا.
أو أن نعاملهم كما نحب أن نكون نحن.
وفي لحظات التعب، يصبح الخيار الأول أسهل بكثير.
لكنني كنت أسأل نفسي:
إذا تغيرت أنا أيضًا، فما الفرق؟
ولهذا اخترت أن أبادر.
واخترت أن أبتسم.
واخترت أن أطرق الباب مرة أخرى.
ليس لأنني لم أتألم.
وليس لأنني نسيت.
بل لأنني أريد أن أبقى كما أنا.
أريد أن أنام مطمئنة، وأنا أعلم أنني لم أقابل القسوة بالقسوة.
ولم أقابل الجفاء بالجفاء.
ولم أترك ألم اللحظة يغير شيئًا جميلًا في داخلي.
لن أسمح لخيبة الآخرين أن تغير شيئًا جميلًا في داخلي.
كثير من الناس يظنون أن الخير الذي يقدمونه قد يضيع إذا لم يجدوا مقابله تقديرًا أو وفاءً أو كلمة شكر.
وقد يحزن الإنسان عندما يكتشف أن من أحسن إليه لم يقدّر إحسانه.
أو أن من وقف معه يومًا لم يقف معه عندما احتاجه.
فيظن أن ما قدمه ذهب سدى.
لكن الحقيقة أن الخير لا يضيع.
قد لا يعود من الطريق الذي تتوقعه.
لكنه يعود.
قد يعود في أبنائك.
أو في صحتك.
أو في رزقك.
أو في شخص يسخره الله لك في وقت حاجتك.
أو في فرحة لم تكن تتوقعها.
فالله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
وقد وعد بذلك.
ومن أصدق من الله قيلًا؟
ولعل من أعظم الدروس في ذلك ما حدث لأبي بكر الصديق رضي الله عنه عندما أراد أن يمنع نفقته عمن أساء إليه وخاض في حادثة الإفك، فأنزل الله ما يذكره بفضل العفو والإحسان، وأن الفضل لا ينبغي أن ينقطع بسبب إساءة الناس.
وهنا نتعلم أن الخير الذي يُفعل لله لا يتغير بتغير الناس.
ولا ينقص بسبب جحودهم.
ولا يضيع بسبب قلة الوفاء.
فإذا كنت حزينًا اليوم لأنك أحسنت إلى شخص ولم تجد منه ما كنت تتمناه، فلا تحزن.
فالمعروف عند الله محفوظ.
والأجر عند الله مكتوب.
وما كان لله لا يضيع.
كل خير فعلته لله سيعود إليك يومًا، ولكن بالطريقة التي يختارها الله لا بالطريقة التي تتوقعها أنت.
وقد يتنافس الناس في أمر واحد، فينجح أحدهم ويتأخر الآخر.
وقد يكون المجتهد هو من تأخر.
وقد يكون الأقل اجتهادًا هو من سبق.
لكننا لا نرى الصورة كاملة.
فربما كان النجاح اختبارًا لهذا.
وكان التأخير اختبارًا لذاك.
فالحياة ليست دائمًا مكافأة فورية كما نتصورها.
بل هي ميدان ابتلاء.
والفائز الحقيقي هو من يحسن الظن بالله في جميع الأحوال.
الخاتمة
لهذا سأبقى كما أنا.
سأبادر إذا رأيت أن المبادرة خير.
وسأبتسم إذا كان في الابتسامة جبر لخاطر أحد.
وسأحسن ما استطعت.
لا انتظارًا للثناء.
ولا بحثًا عن المقابل.
بل لأنني أريد أن ألقى الله بقلب لم تمنعه خيبات الناس من فعل الخير.
فقد ينسى الناس ما فعلته لهم.
لكن الله لا ينسى.
وقد يجحد الناس معروفك.
لكن الله يحفظه لك.
وما دام عملك لله…
فاطمئن.
فأجرك عند الله لا يضيع.



