مقالات و رأي

الاستراتيجية الفعّالة للجامعة الحديثة: حين تخدم الجودة التعليم لا تُنافسه.

بقلم: بروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أكاديمي سابق .. ومستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة.
قرأت في الآونة الأخيرة عدداً من المقالات والحوارات التي تناولت واقع التعليم الجامعي ومستقبل الجامعات، والعلاقة بين الجودة الأكاديمية والرسالة الحقيقية للمؤسسات التعليمية. وقد لفت انتباهي حجم الجدل المتزايد حول ما إذا كانت الجامعات اليوم ما تزال تركز على بناء الإنسان والمعرفة، أم أنها أصبحت تنشغل بدرجة كبيرة بالإجراءات التنظيمية، والمؤشرات، والتقارير، ومتطلبات التصنيفات والاعتماد الأكاديمي.

وفي ضوء ذلك ، أحببت أن أشارك بعض التأملات حول هذه القضية التي لم تعد تخص جامعة بعينها أو دولة محددة، بل أصبحت تحدياً عالمياً تواجهه كثير من مؤسسات التعليم العالي حتى في أكثر الأنظمة التعليمية تقدماً.

فالجامعة في جوهرها ليست مجرد كيان إداري أو منظومة تشغيلية فقط وإنما مؤسسة معرفية وتنموية رسالتها الأساسية إعداد الكفاءات البشرية، وإنتاج المعرفة، وخدمة المجتمع، والإسهام في التنمية الاقتصادية والثقافية. غير أن
الواقع المعاصر يشير إلى تزايد التركيز على الجوانب الإجرائيةوالتنظيمية داخل بعض مؤسسات التعليم العالي، بما قد يؤثر أحياناً في توجيه الجهد نحو المهام الأكاديمية الأساسية كالتدريس النوعي، والبحث العلمي، والإرشاد الأكاديمي، وبناء الشراكات المعرفية والمجتمعية
واستكمال متطلبات الجودة والاعتماد.

ولا شك أن الجودة والحوكمة والقياس المؤسسي عناصر مهمة لا يمكن الاستغناء عنها في أي جامعة حديثة، فهي أدوات تهدف إلى ضمان التحسين المستمر، ورفع كفاءة الأداء، ومنع العشوائية والارتجال.. لكن السؤال المهم أين يظهر الخلل !؟ إن الخلل أو الإشكالية تبدأ عندما تتحول هذه الأدوات من وسائل داعمة للعملية التعليمية إلى غايات مستقلة بحد ذاتها فيصبح التركيز على إثبات الجودة أكبر من الاهتمام بـصناعة الجودة الحقيقية داخل القاعات الدراسية، والمعامل، والبحث العلمي، وتجربة الطالب التعليمية.

ومن الملاحظ كذلك أن بعض المؤسسات أصبحت أسيرة لثقافة القياس الكمي وهنا تُقاس الجودة بعدد التقارير، والاجتماعات، والنماذج، وحجم البيانات، بينما قد لا ينعكس ذلك فعلياً على مستوى التعلم، أو جودة الخريجين، أو الأثر العلمي والمجتمعي للجامعة. وهذه الظاهرة ليست محلية فحسب، بل ناقشها كثير من الباحثين في إدارات التعليم العالي الذين حذروا من أن الإفراط في القياس قد يؤدي أحياناً إلى التركيز على الجوانب الشكلية واستيفاء المتطلبات بدلاً توجيه الجهود نحو التحسين الحقيقي للمخرجات التعليمية والبحثية.

وفي المقابل لا يمكن أيضاً تجاهل أهمية الاعتماد الأكاديمي والتصنيفات العالمية، خاصة في ظل التنافسية الدولية بين الجامعات، وتأثير السمعة الأكاديمية في جذب الكفاءات، والشراكات، والتمويل، والطلبة الدوليين.. ولذلك فإن القضية لا تكمن في رفض الجودة أو التقليل من أهمية المؤشرات، بل في كيفية توظيفها بصورة متوازنة تخدم رسالة الجامعة بدلاً من أن تستنزفها.

ومن القضايا التي تستحق التوقف أيضاً تزايد الأعباء الإدارية على عضو هيئة التدريس. فالأكاديمي اليوم لم يعد مسؤولًا فقط عن التدريس والبحث العلمي بل أصبح مطالباً بمهام متعددة تتعلق بالتوثيق والمتابعة والتقارير والتقييم المستمر. ورغم أهمية بعض هذه المهام في تحسين الأداء إلا أن المبالغة فيها قد تؤدي إلى استنزاف الوقت والطاقة على حساب الإبداع العلمي، والتطوير الأكاديمي، والإرشاد الطلابي، والبحث النوعي.

ومن هذا الجانب تحديداً يبرز التحول الرقمي بوصفهما فرصة استراتيجية حقيقية لإعادة التوازن داخل الجامعات.. فالتقنيات الذكية يمكن أن تتولى جزأً كبيراً من الأعمال الإجرائية والروتينية، مثل إعداد التقارير، وتحليل البيانات، والمتابعة الإدارية، مما يسمح بإعادة توجيه الجهد البشري نحو المهام ذات القيمة الأعلى، كالتعليم، والبحث، والابتكار، وبناء الشراكات، وخدمة المجتمع.

كما أن مستقبل الجامعات أصبح يرتبط بصورة أكبر بعلاقتها بسوق العمل والاقتصاد المعرفي إذ لم يعد نجاح الجامعة يقاس فقط بعدد الخريجين، بل بقدرتهم على التوظيف والإنخراط في سوق العمل ، والابتكار، وريادة الأعمال، والتكيف مع التحولات التقنية والاقتصادية المتسارعة. وهذا يتطلب تطوير البرامج الأكاديمية بصورة مستمرة، وتعزيز المرونة التعليمية، وبناء شراكات حقيقية مع القطاعات المختلفة.

ومن هذا المنطلق فإن التحدي الحقيقي أمام الجامعات الحديثة ليس في الاختيار بين “الجودة” و”التعليم”، بل في القدرة على بناء نموذج متوازن يجمع بين الكفاءة المؤسسية والأثر التعليمي الحقيقي. نموذج يجعل المؤشرات أدوات للتحسين لا مجرد متطلبات شكلية، ويجعل التقنية وسيلة لتحرير الطاقات الأكاديمية لا لإغراقها بالمزيد من الإجراءات. فالجامعة الناجحة ليست تلك التي تمتلك أكبر عدد من التقارير أو المؤشرات، كما أنها ليست المؤسسة التي ترفض التنظيم والقياس، بل هي الجامعة القادرة على تحقيق التوازن بين الحوكمة والكفاءة، وبين بناء الإنسان وإنتاج المعرفة، وبين التنافسية العالمية وخدمة المجتمع.

ويبقى السؤال الأهم: كيف يمكن للجامعات أن تستعيد تركيزها على رسالتها الأساسية، دون أن تتخلى في الوقت ذاته عن متطلبات التطوير والجودة والتنافسية؟
ولعل الإجابة تكمن في إعادة ترتيب الأولويات، بحيث تبقى العملية التعليمية والإنسان في مركز كل السياسات والإجراءات، لا على هامشها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى