مقالات و رأي

بالحبر السري

الدكتورة : إيمان حماد الحماد
بنت النور

ثمةَ مشاعرُ نتردد معها بالبوح ، وآلامٌ نزيدها بالبكاء والنوح ، وأسرارٌ تسكنُ القلبَ كما يسكنُ الضوءُ الكهفَ المهجور وسط دوح — موجودٌ، لكنّه يعاني ، كأنه في الجدار جرح ، سيزعزع كيان هذا الصرح .

تلك المشاعرُ لا تعرفُ الكلام، ولا تألفُ الأقلام، وإنْ نطقتْ فبلسانِ الصمت، وإنْ كتبتْ فبالحبرِ السري.

فما هو الحبرُ السري ؟؟
هو ليس مِداداً يُشترى، ولا سائلا في الدواةِ يُرى. هو ذلك الألمُ المكتومُ الذي يكتبُ على جدرانِ الروح، فلا يقرأُ خطَّه إلا مَن عاشَ حرفَه.
كلُّ إنسانٍ يحملُ قلماً خفيًّا، يكتبُ به ما لا يجرؤُ به البوح فتخونه العبرات ، ويُسطِّرُ به ما تعجزُ عنه الكلمات ، وتترجمه الآهات ، ويختمُ به رسائلَ لن تصلَ إلى أحد ، وتظل تتخبط في القلب ، فتسارع النبضات ، وتصدح بها الخفقات .
الحبرُ السري دموعٌ لم تسقط، وصرخاتٌ لم تُطلَق، وأشواقٌ لم تُشرق .

وكاتبتها روح تكتبُ في اليقظةِ قصائدَ الحنين، وفي النومِ أساطيرَ الوجع، وفي اللحظاتِ الرماديةِ ( تلك التي لا هي يقظةٌ ولا هي نوم ) تكتبُ أعمقَ ما كُتِب من أنين ، مما لا يقبل التلحين ..
كم مِن إنسانٍ في داخلِه روايةٌ كاملة، لو خُطَّت لأبكتِ الحجر! وكم مِن صدرٍ يحملُ ديواناً مكنوناً، لو نُشِرَ لأضاءَ الليلَ الحالك!
لكنَّ الروحَ أحياناً تكتبُ ولا تنشر، تُسطِّرُ ولا تُظهِر، فتبقى تلك الكتاباتُ حبراً سرياً على ورقةِ العمر.
ومن أصنافُ المشاعر المكتومة :

المحبةُ الخرساء — تلك التي تعيشُ في العيون، وتموتُ قبلَ أن تبلغَ الشفتين. كالنهرِ الجوفيِّ يجري في صمتٍ عميق، يروي كلَّ شيءٍ ولا يُرى.

ومنها الفرحُ الخجول — تلك البهجةُ التي تُطرقُ عيناها حياءً، فلا تجاهرُ ولا تُبالغ، تشعلُ القلبَ من الداخل كالجمرِ تحتَ الرماد.

ومنها الحزنُ المُستأجِر — يقيمُ في النفسِ بلا إذن، يُثقِلُ الخطى كأنَّ أقدامَها مِن رصاص، ويُلوِّنُ كلَّ شيءٍ بصبغةِ الرماد.

ومنها الخوفُ الصامت — أشدُّها وطأةً وأقلُّها صوتاً، يقفُ على أعتابِ القلبِ كالحارسِ المسلَّح، يمنعُ الكلامَ مِن الخروج، ويحبسُ البوحَ في زنزانةِ الصدر.

وإن المكبوت حين يضيقُ صدره بما يحمل، يلجأُ إلى طرقٍ للكتابةِ لا تعرفُها الأوراق.
يكتبُ بالنظرةِ المطوَّلة إلى السماء — تلك النظرةُ التي فيها ألفُ سؤال، وليسَ فيها جواب.
ويكتبُ بالابتسامةِ الحزينة — تلك الابتسامةُ التي تُشبهُ الشمسَ في يومِ الغيم: موجودةٌ لكنَّ السُّحبَ تعلوها ، فلا ضوء ولا دَيم ..

ويكتبُ بالسكوتِ المُعبِّر — ذلك الصمتُ الذي هو أبلغُ مِن ألفِ جريدة ، وأوجعُ مِن ألفِ قصيدة.

تلك كتاباتُه السرية، لا يملكُ مَن يقرأُها فهمها ، ولا فكّ شفرتها ، إلا إن عاشَ نفسَ الحرف، وعانى من نفس الظرف ، ومَن كانَ له ما للروحِ من وجع ، فلا يغمض له جفن ، ولا يَرِّف له طَرْف.

والغريبُ في المشاعرِ المكتومةِ أنَّها تصنعُ جمالاً غريبا ، لا يدركه سوى صاحبه ، فيظل منه قريبا ، ويرتاح أن يصاحبه .

فالشاعرُ الكبيرُ لا يولدُ إلا مِن رحمِ الكتمان، والفنانُ العظيمُ لا يُبدعُ إلا حينَ يمتلئُ بما لا يستطيعُ البوحَ به ، فيبثه عبر الخطوط ، ويستحضره قدر الإمكان …

فيُحوِّلُ دموعَه إلى لوحات، وصرخاتِه إلى ألحان، وأوجاعَه إلى كلماتٍ تُبكي حتى مَن لم يعشْ وجعَه ، وكأن البوح بها حان ، وضاق فيه المكان ..

هكذا يصبحُ الحبرُ السري — بعدَ طولِ كتمان — أثمنَ الأحبار ، ورفيق الأسفار ، وأصدقَ التعبير، وأعمقَ ما خطَّه الإنسانُ عن نفسِه وعن الحياة طوال الرحلة والمسير ، والأمر لا يحتاج للمزيد من التفسير …

ففي نهايةِ كلِّ عمر، يجلسُ الإنسانُ مع نفسِه، ويقلِّبُ صفحاتِ ما عاش.
فيجدُ أنَّ أجملَ ما فيها لم يُكتَب بالحبرِ المنشور، بل كُتِبَ بالحبرِ السري — ذلك الحبرُ الذي لا يُرى إلا حينَ تُضاءُ الروحُ بنورِ الصدق، وتُقرأُ صفحاتُه بعيونٍ غسلَها الدمع.
فاحفظْ حبرَكَ السري، فإنَّه أصدقُ ما فيك.
وعِشْ مشاعرَكَ المكتومة، فإنَّها أثمنُ ما تملِك.
وإنْ كتبتَ يوماً بذلك الحبر — فاكتبِ الحقيقةَ كاملة، فلعلَّ أحداً في هذا العالَم ينتظرُ أن يقرأَ نفسَه في كلماتِك.
وما الكتابةُ في نهايةِ المطاف إلا روحٌ تبحثُ عن روح ..
وستظل تلك المشاعر بالنفس خفيّة ، وللبوح بها تثار ألف قضية ..

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى