مقالات و رأي

كرم الضيافة بين الحفاوة والتصوير

كاتب العنزي
باحث دكتوراه في أصول التربية

كان الضيف يدخل البيت فيُستقبل بالبشاشة والترحيب، ثم يجلس مرتاحًا، وهو يعلم أن حديث المجلس سيبقى بين أهل، أما اليوم ففي بعض الزيارات يبدأ التصوير قبل تقديم القهوة، وتتحول الضيافة إلى صور ومقاطع تُنشر في منصات التواصل، وكأن الكرم لا يكتمل إلا أمام عدسات الهواتف.
قد يقول المضيف إن ضيفه رأى الهاتف مرفوعاً ولم يعترض، لكن السكوت في مثل هذه المواقف لا يعني الموافقة، ربما سكت الضيف مجاملة، أو تحرّج من الاعتراض أمام الحاضرين، أو خشي أن يفسد فرحة مضيفه، وبعض الناس لا يجيدون الرفض في اللحظة نفسها، ثم ينزعجون حين يشاهدون صورهم منشورة بعد انتهاء الزيارة.
رؤية الكاميرا شيء، والموافقة على النشر شيء آخر، ومن حق الضيف أن يعرف ما الذي يُصوَّر، وما الذي سيُنشر، ومن سيشاهده، أما اعتبار صمته تصريحاً مفتوحاً، فليس من الإنصاف ولا من حُسن الضيافة.
ولا أتحدث هنا عن صورة تذكارية يقف لها الجميع برضاهم، بل عن تصوير الزيارة من بدايتها إلى نهايتها: لحظة الاستقبال، والسلام، وصفوف الحاضرين، والذبائح، والموائد، وصب القهوة، ثم نشر كل ذلك مع عبارات المديح والثناء.
حين يصل الأمر إلى هذا الحد، يصعب اعتبار التصوير مجرد ذكرى، فقد يتحول المجلس إلى استعراض، ويصبح الاهتمام بما ستظهر عليه الضيافة أمام الناس أكبر من الاهتمام براحة الضيف نفسه.
الكرم لا يحتاج إلى تصوير يثبته، بل يظهر في الوجه البشوش، والكلمة الطيبة، وحسن الاستقبال، وشعور الضيف بأنه بين أهله، أما حين يبقى الهاتف مرفوعاً طوال الوقت، فإن طبيعة المجلس تتغير، المضيف يتكلف، والضيف يتحفظ، والحاضرون يتحفظون في كلامهم وتصرفاتهم، لأنهم لا يعلمون ما الذي سيُنشر لاحقاً.
وقد لا يرغب الضيف أصلاً في إعلان مكان وجوده أو إظهار الأشخاص الذين يجالسهم، ربما تمنعه ظروف أسرية أو مهنية، وربما يقبل بصورة واحدة ولا يقبل أن تصبح زيارته كلها مادة متداولة، وقد يقول كلمة بعفوية داخل المجلس، ثم يفاجأ بأنها وصلت إلى أشخاص لم يكن يقصدهم.
والتصوير لا يكشف الضيف وحده، بل قد يكشف تفاصيل من داخل البيت أيضاً، يظهر طفل في الخلفية، أو تمر امرأة من غير قصد، أو يُسمع حديث جانبي، أو تتضح مداخل المنزل ومحتوياته، لقطة عابرة لا ينتبه إليها صاحبها قد تبقى في الإنترنت سنوات، وتنتقل إلى أماكن وحسابات لا يعرفها.
ومن نتائج هذا النوع من النشر أنه رفع مستوى التكلف في الضيافة، يرى الناس الولائم الضخمة والمجالس الفاخرة، فيظن بعضهم أن إكرام الضيف لا يتم إلا بكثرة الذبائح وتنوع الأطباق وفخامة المكان، وقد يحمّل الإنسان نفسه فوق طاقتها حتى لا يبدو أقل من غيره.
وهكذا ينتقل التنافس من حسن الاستقبال وصدق المحبة إلى حجم الوليمة، وجودة التصوير، وعدد المشاهدات، وبمرور الوقت يفقد الكرم بساطته، ويتحول من خلق جميل إلى مشهد معدّ للعرض.
ويلفت النظر أيضاً أن بعض الناس لا يُخرج هاتفه إلا عندما يكون الضيف معروفاً أو صاحب منصب ومكانة، بينما تمر زيارة الضيف العادي من غير تصوير أو احتفاء مماثل، هنا يحق لنا أن نسأل: هل الاهتمام بالضيف نفسه، أم بما سيضيفه اسمه إلى صورة المضيف أمام الآخرين؟
عندما يرتبط التصوير بمكانة الضيف، قد يتحول الأمر إلى استثمار لاسمه وحضوره من أجل لفت الأنظار وزيادة التفاعل، والضيف في هذه الحالة لا يُكرّم لذاته، بل يُستخدم جزءاً من صورة يريد المضيف أن يقدمها عن نفسه.
ليس المقصود رفض التصوير كله، بل يمكن للمضيف وضيفه أن يلتقطا صورة جميلة يتفقان عليها، فتظل ذكرى طيبة لا تزعج أحداً، لكن هناك فرقاً كبيراً بين صورة محددة برضا الجميع، وبين أن ترافق الكاميرا الضيف في كل لحظة من زيارته.
ولمعرفة الدافع الحقيقي، يكفي أن نسأل: هل كان المضيف سيصور كل هذه التفاصيل لو لم توجد منصات تواصل ولا متابعون ينتظرون المشاهدة؟
البيوت مواضع ستر وراحة، وما يقال في المجالس أمانة، والضيف جاء للزيارة والأُنس، لا ليكون جزءاً من استعراض مصور.
نحتاج إلى استعادة المعنى الحقيقي للكرم: استقبال طيب، ومجلس مريح، وضيافة بلا مبالغة، وخصوصية تُراعى وتحترم.
ليس كل ما يحدث داخل بيوتنا مناسباً للنشر، ولا تحتاج الضيافة الصادقة إلى تصوير يُثبت قيمتها.
فما يبقى في ذاكرة الضيف ليس صورة الوليمة، بل صدق الحفاوة وحسن الاستقبال.

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى