ثقافة الماء في استهلاكه واقتسامه

للكاتب : أحمد القاري
كانت الأمم منذ أقدم العصور ترتحل من موطن إلى آخر، وتجوب الفيافي والقفار بحثاً عن الماء والكلأ؛ فحيثما وجد الماء وجدت الحياة، وحيثما نبع الغدير اخضر الزرع، وتوافر الاستقرار.
ولأجل الماء قامت الهجرات، وتشكلت القرى والمدن، بل ونشبت الحروب والنزاعات بين القبائل والشعوب، إذ كانت مصادره محدودة والحاجة إليه لا تنقطع.
ويُعد الماء أعظم ثروة وهبها الله للإنسان بعد نعمة الإيمان، أغلى من الذهب والفضة والألماس، بل إن جميع كنوز الأرض لا تساوي قطرة ماء عند فقدها؛ فالذهب لا يروي ظمأً، والفضة لا تنبت زرعاً، والأحجار الكريمة لا تحفظ حياة، فهو أساس الحياة وسر بقائها، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30] وانعدامه يعني الموت.
والماء أصل خلق الإنسان، فقد خلق الله آدم عليه السلام من ماء وتراب فشكلا الطين، وصار صلصالاً كالفخار بألوانه وأجناسه المختلفة، وصفه الله تعالى وبيّن فضله، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 99]، وقال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48].
كما جاءت السنة النبوية مؤكدة لعظمة هذه النعمة، فقد سُئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الصدقة أفضل؟ فقال: «سقي الماء». فكان ذلك دليلاً على رفعة شأن هذه الصدقة وعظيم أجرها.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلمون شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار»، وهو أصل عظيم في أهمية التعاون والتكافل بين الجوار وعدم هدر واحتكار الموارد التي تقوم عليها حياة الناس.
كما ورد الوعيد الشديد في منع الماء عمن يحتاج إليه، ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر من الذين “لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا ينظر إليهم رجُلٌ منَع فَضْلَ الماءِ عنده، يقولُ اللهُ: اليومَ أمنَعُك فضلي كما منَعْتَ فَضْلَ ما لم تعمَلْه يداكَ” لما في ذلك من الإضرار بالخلق وقطع أسباب الحياة عنهم.
واقتسام الماء بين الجيران من مكارم الأخلاق ومن صور التراحم والتعاون التي دعا إليها الإسلام. فالجار إذا احتاج إلى الماء وجب على جاره أن يعينه ما استطاع، وأن يتذكر أن النعمة التي بين يديه هي عطية من الله سبحانه وتعالى وليست ملكاً مطلقاً يتصرف فيها كيف يشاء دون مراعاة حقوق الآخرين.
وحين يتشارك الجيران في المنافع ويقضون حاجات بعضهم بعضاً، تسود المحبة وتزول أسباب النزاع، ويصبح المجتمع أكثر تماسكاً وتعاوناً.
قال الإمام ابن القيم رحمه الله: «الماء أصل الأقوات، وبه قوام الأبدان والأشجار والزروع».
والمحافظة على الماء من مقاصد الشريعة؛ لأنه من الضروريات التي تقوم عليها حياة الناس، ولا تستقيم معايشهم إلا به.
وثقافة الاقتصاد في استهلاك الماء يحصل بعدم الإسراف فيه، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسراف في الماء عند الوضوء ولو كان المرء على نهر يجري، فالمحافظة على النعمة هذه خلق رفيع وسلوك حضاري.
ومن أهم وسائل المحافظة على هذه الثروة العظيمة:
– إصلاح التسربات المنزلية فور اكتشافها.
– تعزيز ثقافة المحافظة على الماء بين الأبناء.
– تجنب غسل المفارش الكبيرة والسيارات الخاصة بالسكان من الخزان المشترك.
– المراقبة الحثيثة للأطفال في استعمالهم الصنابير.
– الفحص المستمر لمنسوب المياه في الخزانات.
فلو اختفى الماء لأصبحت الأرض قفراً لا حياة فيها. ولذلك كانت المحافظة على الماء مسؤولية دينية وأخلاقية وإنسانية وليست خياراً.
نسأل الله أن يديم علينا نعمة الماء، وأن يجعلنا من الشاكرين المحافظين على نعمه.



