مقالات و رأي

أفراحنا وأتراحنا..؟!

الدكتور محمد أديب محمود عبد السلام
أستاذ الإعلام المعاصر

بسم الله الرحمن الرحيم

أتحدث اليوم عن مناسباتنا، أفراحنا وأتراحنا.

أقول، وبالله الاعتماد، إننا نشهد اليوم ظاهرة غريبة تتمثل في هذا البلاء الذي انتشر بيننا دون أن نشعر. وقد يتساءل البعض: كيف انتشر دون أن نشعر؟ نعم، لأننا قبل سنوات ليست بالبعيدة، لا تتجاوز ثلاثين عامًا، كنا نقيم أفراحنا في الحارات، وفي البيوت، وفي الأحواش، ومن وسّع الله عليه أقامها في أحد قصور الأفراح، وكانت جميعها على قدر الحال والإمكانات.

أما اليوم، فقد تطور الأمر إلى ظاهرة عجيبة، فأصبحت قصور الأفراح تكلف مئات الآلاف من الريالات، وأصبحت عبئًا ثقيلًا على أهل العريس والعروس. فما الذي يحدث؟ نعم، قد تكون هذه القصور فخمة ومجهزة ومؤثثة، ولكن أين التكافل؟ أين التعاضد؟ أين الرحمة بالشباب ومراعاة ظروفهم؟

لقد أصبحت بعض قصور الأفراح تطرح قاعات خاصة (VIP) بمبالغ تصل إلى خمسين ألف ريال، مقابل إضافات بسيطة كأنواع من البوفيه أو الآيس كريم وبعض المقبلات. حدثني قريب أثق بروايته، وقد أقام حفل زفاف ابنته بالشراكة مع أهل العريس، فقال: دفعت مئة وخمسة وعشرين ألف ريال، ودفع أهل العريس المبلغ نفسه، فأصبح إجمالي تكلفة الحفل ربع مليون ريال، من أجل أربع أو خمس أو ست ساعات، ثم ينتهي كل شيء. فهل يعقل هذا؟

ولم تقف المبالغة عند الأفراح، بل امتدت أيضًا إلى الأتراح. فقد أصبحت بعض مجالس العزاء مكلفة بصورة كبيرة، رغم أنها تقام بجوار البيوت أو في الأحياء. فاستئجار الكراسي والمفارش، وإعداد الطعام للرجال والنساء لمدة يومين أو ثلاثة، كلها تكاليف تثقل كاهل أهل الميت.

إن مصيبة الموت في حد ذاتها عظيمة، فلا ينبغي أن نضيف إليها أعباء مالية تزيد الحزن حزنًا والمرارة مرارة.

وقد توفي قريب لأحد الأشخاص، وكانت ذريته من البنات، فبلغت تكاليف العزاء في ثلاثة أيام قرابة ثلاثين ألف ريال، وهو مبلغ كبير لا مبرر له شرعًا ولا عرفًا.

وقد أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «اصنعوا لآل جعفر طعامًا، فقد أتاهم ما يشغلهم»، فلم يكلّف أهل الميت بإعداد الطعام للناس، وإنما دعا المجتمع إلى مواساتهم وخدمتهم.

لقد كان العزاء فيما مضى يقام بأبسط التكاليف، بل إن البعض كان يكتفي باستقبال المعزين في المقبرة أو بجوار المنزل، وبعض الناس يوصون قبل وفاتهم بعدم إقامة عزاءات مكلفة.

ونحن -ولله الحمد- نعيش في رخاء وسعة، لكن ذلك لا يعني الإسراف والمبالغة، بل يجب أن ننظر إلى هذه الظواهر بموضوعية، ونقيم آثارها على المجتمع.

إن عزوف كثير من الشباب عن الزواج يعود إلى التكاليف الباهظة، من المهور، والشبكة، ومصاريف عقد القران، والهدايا، وما يتبعها من التزامات، فضلًا عن التكاليف الضخمة لقصور الأفراح التي أصبحت تكسر ظهور الشباب.

وأذكر أنه في عهد المغفور له، بإذن الله، الأمير عبد المجيد، وبمبادرة من جمعية الخدمات الاجتماعية آنذاك، تم إعداد وثيقة لتنظيم الزواج، تضمنت تحديد المهور بمبالغ معقولة، وألا يتجاوز عدد الذبائح خمسة رؤوس من الغنم، وأن تقام حفلات الزواج في البيوت أو المواقع غير المكلفة.

وقد وقع على تلك الوثيقة أكثر من خمسمائة رجل من شيوخ القبائل والوجهاء والأعيان، وكنت حاضرًا ومتابعًا لتلك المبادرة، وكانت خطوة مباركة تهدف إلى التيسير على الشباب.

أما اليوم، فقد أضيف إلى تكاليف المناسبات أمر آخر، وهو تغطيتها عبر الإعلاميين، ومشاهير مواقع التواصل الاجتماعي، والسناب، وغير ذلك، وكل ذلك يزيد الأعباء دون حاجة حقيقية.

إن هذه الظواهر تستحق الوقوف عندها، والمناقشة الجادة، ونشر الوعي بخطورة المبالغة فيها، والدعوة إلى الاعتدال والتيسير، حفاظًا على تماسك المجتمع، ورحمة بالشباب والأسر.

﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾

أقول قولي هذا، والله على ما أقول وكيل، وعليه الاتكال والاعتماد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى