أين ذهبت “ست البيت”؟

✍🏽 أحمد القاري
حين هُجر المطبخ وغادرت الأسرة مائدتها.. في هذا المقال لا أكيل اتهاماً للمرأة أو للمطاعم، وإنما هو قراءة في تغيّر نمط الحياة، وتراجع اجتماع الأسرة، وتحول البيت من مجتمع للحياة إلى مساحة ضيقة للمبيت.
كان للبيت، قبل عقود ثلاثة فأكثر معنى آخر، ما كنا نعده كالفندق في بهائه وزخرفته، ولا في تقييمه وعدد نجومه، ولم نره محطةً يعود إليها أفراد الأسرة في آخر الليل ثم يغادرونها مع أول النهار؛ بل كان هو المكان الذي تُصنع فيه الحياة وتنتج منه الرجال وسيدات المجتمع.
كان للمطبخ رائحته، وللمائدة موعدها، وللأم حضورها، وللأب مكانه، وللأبناء أصواتهم وضحكاتهم وحكاياتهم الصغيرة التي تتناثر حول سفرة واحدة.
كانت الأسرة تجتمع.. وقد تبدو كلمة «تجتمع» اليوم سهلة، لكنها في الحقيقة كانت تصنع “الألفة” .
فالأم تعرف ماذا يحب كل واحد من أبنائها، وتعرف من أكل ومن لم يأكل، ومن يبدو عليه التعب، ومن يحتاج إلى كلمة، ومن يخفي وراء صمته حزناً وقلقاً.. وكان الأب يعرف أبناءه من تعابير وجوههم وهم يجلسون أمامه، وليس من خلال رسائل الجوال.
أما اليوم، فقد تغير المشهد.. صار البيت في بعض الأسر أشبه بفندق عائلي: غرف للنوم، وثلاجة، وأجهزة كهربائية، وشاشات كثيرة، لكن أين الجلسة؟ أين المائدة؟ أين الحديث؟ أين ذلك الموعد الذي كان يجمع الجميع؟ قد يكون الأب في مقهى، والأم في مركز تجاري، والابن في مطعم مع أصدقائه، والبنت في منتزه ترفيهي، وإذا عاد الجميع إلى البيت عاد كل واحد إلى عالمه الخاص، وأغلق باب غرفته، وانشغل بشاشته، وهكذا أصبحنا نعيش تحت سقف واحد، ولكن في عوالم متباعدة.
ويلوح لي هنا سؤال: هل انتشار المطاعم والمقاهي واللاونجات هو السبب؟
والجواب في رأيي أنها لا تتحمل مسؤولية ما يحدث، فالمطاعم والمقاهي أماكن للترفيه ليس إلا.. وليست من ضروريات الحياة، وهي أيضاً ليست عدواً للأسرة، وسبباً حتمياً في تفككها، وليست شراً في ذاتها.. المشكلة تبدأ عندما يتحول الخارج من مساحة للتغيير والترفيه إلى بديل دائم عن البيت.
وحين يصبح تناول الطعام خارج المنزل هو القاعدة، والأكل في المنزل هو الاستثناء، وحين تصبح جلسة الأسرة في مقهى أو مطعم أسهل من إعداد وجبة بسيطة في البيت والجلوس حولها، فإننا لا نغيّر مكان الطعام فحسب، بل نغيّر تدريجياً ثقافة الأسرة نفسها.
فالمائدة المنزلية لم تكن يوماً وسيلة لإشباع البطون.. إنها مؤسسة اجتماعية صغيرة، بقاعة اجتماع تدور فيها رحى الثقافة والأدب وتهذيب الأخلاق.
كانت سفرة الطعام مناسَبة للحديث، والتعارف، والتربية، والمشاركة، والضحك، والاستماع، وحل بعض المشكلات دون أن نشعر أننا نعقد اجتماعاً لحلها.
أما حين يأكل كل فرد في مكان مختلف، وفي وقت مختلف، ومع أشخاص مختلفين، فإن البركة تنزع، وتقل فرص اللقاء اليومي، ومعها تتلاشى التفاصيل التي تحفظ العلاقة حية، ولا تكاد تبقى هنالك ذكريات.
وقد وجدت مراجعات علمية أن تكرار الوجبات العائلية يرتبط بصورة إيجابية ببعض جوانب جودة الغذاء وبوظائف الأسرة.
أين ذهبت «ست البيت» ؟ هل تخلت المرأة عن دورها؟ أم أن الحياة هي التي تغيرت من حولها؟ الحقيقة أن الإجابة ليست واحدة.. ! فالمرأة اليوم تعمل، وتتعلم، وتشارك في المجتمع، وتتحمل مسؤوليات كثيرة، ولم يعد من المقبول أن نختزل قيمة المرأة في المطبخ وحده.. لكن في الوقت نفسه، لا ينبغي أن نعتقد أن المطبخ عمل هامشي لا قيمة له.. والأم التي تطبخ لأبنائها وظيفتها لا تنحصر في إعداد الطعام؛ إنها تصنع ذاكرة.. فكم من إنسان كبر وبقيت في ذاكرته رائحة طعام أمه ومذاق شرابها؟ وكم من رجل أو امرأة، مهما ابتعدت بهما الحياة، ظل في داخلهما شيء من نكهة البيت القديم؟
وإذا كان الأب والأم يعملان، فلا مانع أن يتشارك الجميع في إعداد الطعام وترتيب المائدة. بل ربما يكون هذا أجمل؛ أن يتعلم الابن أن البيت مسؤولية مشتركة، وأن إعداد الرجل للطعام ليس عيباً ولا انتقاصاً، وأن الأسرة حين تتعاون في المطبخ فإنها “تبني علاقة صحيحة قبل أن تبني وجبة صحية” .. وليس كل طعامٍ خارج المنزل ضاراً، كما أن ليس كل طعامٍ منزلي صحياً.. والأخطر أن بعض الخيارات الخارجية قد تكون مرتفعة في السعرات أو الصوديوم أو الدهون والسكريات، خصوصاً عندما تصبح الوجبات السريعة والمشروبات المحلاة والحلويات جزءاً متكرراً من النظام الغذائي.. ولهذا فإن المسألة الصحية لا تنحصر في «مطعم أم منزل؟» وإنما ماذا نأكل؟ وكم نأكل؟ وكم مرة نأكل؟ لكن عندما تتحول الوجبات الخارجية إلى أسلوب حياة دائم، يصبح التحكم في نوعية الطعام وكميته أصعب، والمشكلة أن المائدة اختفت تدريجياً، وقد تفقد الأسرة مع مرور الوقت قدرتها على الحوار، والطفل الذي لا يرى والديه مجتمعين على مائدة طعام أو جلسة قهوة؛ يجهل عن والديه بقدر ما يعرف عن أصدقائه ومتابعيه في العالم الرقمي.
والأب الذي يعود من عمله فلا يجد أبناءه حوله، والأم التي تقضي يومها في دوامة من المسؤوليات، والأبناء الذين يخرجون من البيت قبل أن يلتقوا بأهلهم؛ كل ذلك قد يخلق فجوة عاطفية لا يشعر بها أحد في البداية، ثم تكبر وتتسع، حتى يصبح الحديث ثقيلاً بينهم، ويغدو كل فرد منفرداً بحياته الخاصة، وهنا لا يعود البيت بيتاً بالمعنى الذي عرفناه وعشناه نحن الطيبين قبل ثلاثين عاماً فأكثر.. حياتنا آنذاك لم تكن مثالية وخالية من الإرهاق، كان فيها تعب، وضغوط، ومشكلات، وأحياناً خلافات.. لكن كان هناك شيء ثمين اسمه: الاجتماع! كان الجار يعرف جاره، وكانت أبواب البيوت أقرب إلى بعضها من اليوم، كانت المناسبات تجمع الناس، وكانت الزيارة عادة لا حدثاً استثنائياً، وكان الأطفال يعرفون أبناء الحارة، وكانت النساء يتبادلن الأطباق، وكانت الأسرة تعرف أن للبيت وقتاً لا يجوز أن يبتلعه الشارع.. لم تكن رفاهية الحياة متاحة كما هي اليوم والحمد لله على نعمائه وأفضاله، لكن ربما كان لدينا شيء نفتقده اليوم: الوقت لبعضنا.. لقد امتلكنا أشياء أقل، لكننا امتلكنا بعضنا أكثر.
واليوم لدينا خيارات لا حصر لها: مطاعم، مقاهٍ، حدائق، مراكز ترفيه، شاشات، تطبيقات، خدمات توصيل، وأماكن كثيرة يمكن أن نقضي فيها الساعات.. ويبقى السؤال: هل توطدت علاقاتنا أكثر أم صارت على جناح طائر؟
نحن لا نحتاج إلى العودة أربعين عاماً إلى الوراء كي نعيد إلى البيت مكانته، ولا نحتاج إلى إغلاق المطاعم والمقاهي، ولا نحتاج إلى أن تنحبس المرأة في المطبخ طوال اليوم.. نحتاج فقط إلى أن نعيد التوازن.. أن يكون للبيت موعد مقدس لا يستلبه الخارج، وجبة واحدة على الأقل في اليوم تجتمع فيها الأسرة، ولو كانت صحن فول وحبة تميز أو “تميس” كما عند أهل مكة.. أن نتفق على أن الهواتف لا تجالسنا في المائدة.. أن يتناوب أفراد الأسرة على إعداد الطعام، فلا تكون المسؤولية كلها على الأم ! أن نجعل ليلة في الأسبوع للعائلة: طعام منزلي، وجلسة، وحديث، ولعبة، أو مشاهدة شيء يجتمع عليه الجميع.. أن نعيد الزيارة إلى قاموس حياتنا.. أن يعرف الأبناء جيرانهم وأقاربهم.. أن نعيد عادة تبادل الطعام بين الجيران، وأن نعلّم أبناءنا أن الجار إنسانٌ تربطنا به مودة وحقوق وليس شخصاً يسكن بجوارنا فقط، أن نخرج إلى المطعم أحياناً لأننا نريد التغيير.. وأن نذهب إلى المقهى للترفيه، لا لأننا فقدنا القدرة على الجلوس مع أهلنا.
ومن المهم إدراك شيء: أن ست البيت ليست خادمة، والبيتَ ليس مطعماً ولا نزلاً، ولا ينبغي أن نطالب المرأة بأن تكون طاهية الأسرة وخادمتها، ثم نطلق على ذلك «دور ست البيت» فالبيت مسؤولية كل فرد يسكنه.
الأب مسؤول.
الأم مسؤولة.
الأبناء مسؤولون.
والمطبخ يمكن أن يتحول من عبء على شخص واحد إلى مساحة مشاركة عائلية تصاحبها الضحكات والسعادة، فالابن يستطيع أن يقطع السلطة، والبنت تساعد في إعداد الطعام، والأب يطبخ وجبة في نهاية الأسبوع، والأم تجمعهم حول المائدة، وعندما يشترك الجميع، يصبح الطعام أيسر، والبيت أدفأ، والمسؤولية أكثر عدلاً.
صحيح أن الزمن تغير، والحياة تغيرت، والمرأة تغيرت، والرجل تغير، ومتطلبات العمل والتعليم تغيرت.. لكن هناك أشياء لا ينبغي أن تتغير بتغير الزمن:
أن يعرف الأبوان أبناءهما.
أن يجلس الإخوة معاً.
أن تكون للبيت ذاكرة.
أن يكون هناك طعام يُصنع بحب.
أن يكون هناك جار يُزار، وقريب يُسأل عنه، وصديق يفتح له الباب.
فالأسرة لا تتفكك فجأة.. إنها قد تبدأ بالتفكك حين يتوقف أفرادها عن الاجتماع، ثم يتوقفون عن الحديث، ثم يتوقفون عن معرفة تفاصيل بعضهم، ثم يصبح كل فرد منهم قادراً على أن يعيش حياته كاملة خارج البيت.
ولهذا فإن إنقاذ الأسرة لا يبدأ دائماً من القرارات الكبرى، ربما يبدأ من قرار صغير جداً:
أن تقول الأم: العشاء اليوم في البيت.
ثم يرد الأب:
سأكون حاضراً.
ويترك الابن هاتفه.
وتقطع البنت اتصالها.
وتوضع المائدة.
ويجلس الجميع.
ثم يبدأ الحديث..
بهذا نحن نستعيد أسرة.
فالبيت الذي يجتمع أهله حول مائدة واحدة، مهما كانت بسيطة، يملك ثروة لا يستطيع مطعم فاخر أن يبيعها لهم “الألفة” ، والمطبخ الذي عاد إليه أهله، والمائدة التي عادت إليها الأسرة، والجار الذي عاد إلى باب جاره، قد تكون جميعها خطوات صغيرة في طريق كبير اسمه: إحياء البيت وإنعاش ساكنيه قبل أن يصبح مهجوراً كالقبور.



