مقالات و رأي

حين تكتبك الحيرة: رحلة الكاتب في البحث عن الفكرة قبل البحث عن الكلمات.

بقلم: البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أستاذ جامعي سابق – جامعة أم القرى.
مستشار وباحث في التخطيط الاستراتيجي والقيادة.
يظن كثيرون أن أصعب ما يواجه الكاتب هو البحث عن الكلمات، بينما الحقيقة أن التحدي الأكبر يكمن في البحث عن الفكرة التي تستحق أن تُكتب. فالكلمات تأتي تباعاً إذا حضر المعنى، أما إذا غاب، فإن أبلغ العبارات لا تستطيع أن تخفي فراغ الفكرة.

جلست في ليلتي المعتادة لأكتب مقالتي فإذا بالحيرة تسبقني إلى الصفحة. سألت نفسي عماذا سوف أكتب هذه المرة؟

كان الحدث الأبرز هو كأس العالم، غير أن وسائل الإعلام، بمختلف منصاتها، لم تدع زاوية إلا وأضاءتها، ولا مشهداً إلا وأشبعته تحليلاً وتعليقاً. فما الذي يمكن أن يضيفه قلم آخر إلى هذا الفيض المتواصل من الآراء والمناقشات والتحليلات؟

ثم خطر لي أن أكتب عن الخطط الفنية، واستراتيجيات اللعب، وفلسفة المدربين. لكن هذا النوع من الكتابة لا يليق به الانطباع السريع، بل يحتاج إلى متابعة دقيقة، ومشاهدة متأنية، وقراءة متخصصة، فضلاً عن أن القارئ ربما اكتفى من سيل التحليلات الذي يرافق كل مباراة.

وخطرت لي فكرة أخرى بأن أتناول الحديث عن البطاقة الحمراء التي أُلغيت بحق اللاعب الأمريكي، وما أثارته من جدل تحكيمي واسع. لكنني وجدت أن هذا الموضوع أكبر من أن يُختزل في مقال عابر، وأنه يحتاج إلى قراءة هادئة تتجاوز الانفعال الآني.

ثم قلت في نفسي: لعلني أنتظر ما ستسفر عنه مواجهة مصر والأرجنتين، فربما أكتب عن نهاية مؤثرة للنجم ميسي إذا خرج منتخب الأرجنتين من البطولة، وقد كنت قاب قوسين أو أدنى من أن أشاهد دموعه الفضية. لكن جرت الرياح بما شاء الله، فكان قدر الله نافذًا، ومضت البطولة في اتجاه آخر.

وفكرت أيضاً، بعد لقاء مصر والأرجنتين وما أثاره إلغاء هدف لمنتخب مصر من غضب لدى كثيرين وما تردد من اتهامات بوجود تحيز للأرجنتين، أن أكتب حول أثر مثل هذه القضايا في ثقة الجماهير بعدالة المنافسة. بل خطر لي سؤال افتراضي: ماذا لو قاطعت الدول العربية والآسيوية كأس العالم؟؟ هل سيبقى كأس العالم محتفظًا بمسماه العالمي إذا غابت عنه قارات تمثل شريحة كبيرة من شعوب الأرض؟ ثم عدلت عن هذه الفكرة أيضاً؛ لأنها تفتح أبواباً واسعة للنقاش الرياضي والسياسي والاقتصادي، وتحتاج إلى معالجة أعمق وأهدأ من مقال يكتبه انفعال اللحظة.

وانتقلت بفكري إلى المشهد الذي استوقف العالم؛ دموع Cristiano Ronaldo بعد خروج منتخب بلاده من البطولة. غير أنني سرعان ما تراجعت؛ فدموع الإنسان لغة لا تُترجم بالظنون، والمشاعر لا تُفسَّر من لقطة عابرة أو صورة متداولة، وما يدور في أعماق النفوس علمه عند الله وحده، ومن الحكمة أن نقف عند حدود ما نرى، دون أن نزعم معرفة ما لا نعلم.

أغلقت نافذة بعد أخرى، لا لأن الموضوعات قد نفدت، بل لأنني لم أجد بينها ما يستحق أن أتناوله بالطريقة التي أرضاها لنفسي، ويرضاها القارئ الذي يمنحني من وقته وثقته ما يستوجب احترام عقله.

عندها أدركت أن الحيرة ليست خصماً للكاتب بل رفيقاً أميناً له. فهي التي تمنعه من الكتابة لمجرد الكتابة، وتدفعه إلى التريث حتى تنضج الفكرة وتكتمل الرؤية. فليس النجاح أن تملأ مساحة بيضاء بالكلمات، وإنما أن تملأ عقل القارئ بفكرة أو قلبه بشعور أو وجدانه بتأمل يبقى معه.

في تلك الليلة لم أكتب عن كأس العالم، ولا عن التكتيك، ولا عن الجدل التحكيمي، ولا عن دموع لاعب، بل كتبت عن الحيرة نفسها… عن ذلك الصمت الذي يسبق ميلاد الكلمة، وذلك التردد الذي يسبق اكتمال الفكرة.

وحين أغلقت الحاسوب، وأطفأت الضوء، ابتسمت في هدوء، فقد اكتشفت متأخراً أن المقال الذي كنت أبحث عنه لم يكن ينتظر حدثاً جديداً بل كان ينتظر أن أُصغي إلى حيرتي.

فأحياناً … لا تكتب الفكرة بل هي التي تكتبك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى