النور الذي لا ينطفئ

عبدالله شراحيلي
ليس أشدَّ ظلمةً من قلبٍ ينتظر أن يضيئه الآخرون، ولا أقسى خيبةً من روحٍ علَّقت سعادتها على مصابيح الناس. فالحياة، على اتساعها، لا تبخل بالأنوار؛ تشرق فيها الشمس كل صباح، وتتلألأ النجوم كل مساء، وتتعدد فيها الوجوه والفرص، ولكنها جميعًا تعجز عن إنارة قلبٍ أغلق نوافذه في وجه الأمل.
كثيرون يظنون أن القوة تُهدى، وأن الطمأنينة تُستعار، وأن السعادة يسوقها الآخرون إليهم، فإذا تأخر العطاء أو غاب الأحبة، حسبوا أن الدنيا قد أطفأت آخر شموعها. وما علموا أن النور الحقيقي لا يُستعار، بل يُولد في أعماق النفس حين تؤمن بربها، وتثق بذاتها، وتمضي في طريقها وإن قلَّ الرفاق.
إن الإنسان الذي يعرف قيمة نفسه لا ينتظر تصفيقًا ليواصل السير، ولا يبحث عن يدٍ تحمل عنه أعباء الطريق، لأنه أدرك أن أعظم الانتصارات هي تلك التي يصنعها بصبره، وأن أجمل البدايات تبدأ من قرار صادق يعلنه بينه وبين نفسه: أن يكون أقوى من يأسه، وأكبر من عثراته، وأرحب من أحزانه.
وما أكثر الذين أطفأتهم خيبات البشر، ولو أنهم التفتوا إلى ما أودعه الله في قلوبهم من طاقة الإيمان، وما منحهم من نعمة العقل والإرادة، لأدركوا أن داخل كل إنسان مصباحًا لا تنال منه رياح الأيام إلا إذا سمح لها بذلك.
ليس المطلوب أن تخلو الحياة من الألم، فالألم سنةٌ ماضية، ولكن المطلوب ألا يتحول إلى ظلامٍ دائم. فالليل، مهما طال، لا يملك أن يمنع الفجر من المجيء، وكذلك المحن، مهما اشتدت، لا تستطيع أن تهزم قلبًا امتلأ يقينًا، وأيقن أن مع العسر يسرًا، وأن بعد كل انكسارٍ ميلادًا جديدًا.
فلنكن لأنفسنا نورًا قبل أن نبحث عن نور الآخرين، ولنجعل من الإيمان وقودًا، ومن الأمل طريقًا، ومن العمل رسالةً لا تنطفئ. فالأمم العظيمة لم تُبنَ على انتظار المنقذين، وإنما قامت على رجالٍ ونساءٍ أشعلوا في داخلهم شعلةً من العزم، ثم ساروا بها حتى أضاءت دروب غيرهم.
ويبقى النور الحقيقي ليس ذلك الذي تراه العيون، بل ذلك الذي يسكن القلوب؛ فإذا أشرق القلب بالإيمان، واستقام على الحق، وعرف غايته، أضاءت له الحياة كلها، ولو سار في أشد الليالي ظلمة.



