في جازان… البحر يكتب سيرته بالألوان

كتب: حمد دقدقي
ليس الفن حدثًا يُقام في قاعة، ثم ينفضّ الجمع بانتهاء الأمسية؛ الفن، في جوهره، لحظةٌ تستعيد فيها الأمكنة ذاكرتها، وتتعرف الشعوب إلى ملامحها وهي تنعكس على سطح لوحة. وما كان مساء العشرين من يوليو 2026 في جازان سوى واحدة من تلك اللحظات النادرة التي بدا فيها الزمن وكأنه يتوقف قليلًا، ليمنح اللون فرصة أن يتكلم، ويمنح المكان فرصة أن يروي حكايته بصوت الجمال.
في فندق نوفوتيل، حيث البحر لا يُرى من النوافذ فحسب، بل يكاد يدخل القاعة محملًا برائحة الملح وأغنيات الموج، افتتحت الجمعية السعودية للثقافة والفنون بجازان معرضها التشكيلي الأول بعد إعادة تفعيل نشاطها، في أمسية لم تكن مجرد افتتاح معرض، بل كانت إعلانًا بأن الثقافة، مهما تعثرت خطاها، تعرف دائمًا كيف تعود إلى الحياة، وأن المدن التي تمتلك روحًا لا تموت، بل تؤجل ازدهارها حتى يحين موعد الضوء.
جاءت هذه المبادرة بوصفها أولى خطوات الجمعية بعد منح الثقة للأستاذ عيسى محمد غزاوي لإدارة الفرع، وكأنها تؤكد أن المؤسسات الثقافية لا تُقاس بعدد مبانيها أو فعالياتها، وإنما بمقدار ما تزرعه في الوجدان من أسئلة، وما توقظه في الإنسان من دهشة، وما تمنحه للمكان من قدرة على أن يرى نفسه في مرآة الإبداع.
واصطفت على الجدران أعمال الفنانين عبدالله اللغبي، ومحمد جديبا، ونجاة زائري، وعلي طوطية، وأسامة أبو طالب، والحملي، غير أن اللوحات لم تكن معلقة على الجدران بقدر ما كانت معلقة في ذاكرة جازان نفسها. كانت الألوان تستدعي البحر حينًا، والجبل حينًا، وتستحضر النخيل والقرى القديمة، وتعيد تشكيل الحكايات التي ظلت الأمهات يورثنها للأبناء جيلاً بعد جيل. بدا كل فنان وكأنه يكتب فصلًا من السيرة البصرية لهذه الأرض، لا بالحروف، بل بما هو أبقى من الحروف؛ باللون الذي لا يشيخ.
وشارك في هذه الأمسية عدد من الإعلاميين والمثقفين، يتقدمهم إبراهيم النعمي، ورمضان مجممي، وبدرية مجممي، إلى جانب رئيس نادي الثقافة والفنون بصبيا الأستاذ حسين ضيف الله مريع، وحشد من الفنانين والمهتمين، في مشهد بدا أشبه باجتماع أسرةٍ واحدة تؤمن بأن الثقافة ليست نشاطًا موسميًا، بل أسلوبٌ في حماية الذاكرة، وصيانة الهوية، وإبقاء الجمال حاضرًا في حياة الناس.
ولأن المعارض الحقيقية لا تنتهي بإطفاء الأضواء، فقد حمل هذا المعرض وعدًا بمشروع ثقافي أوسع، تسعى الجمعية السعودية للثقافة والفنون بجازان من خلاله إلى تنظيم المعارض الدورية، وإقامة الورش الفنية، واحتضان المواهب، وتعميق حضور الهوية البصرية للمنطقة، لتبقى جازان، بما تملكه من تنوع طبيعي وإنساني وتراثي، منجمًا لا ينضب للإبداع.
غير أن جازان كانت، في تلك الليلة، أكثر حضورًا من اللوحات نفسها.
فالمدن، في العادة، تتزين بما يشيده الإنسان فيها من عمران، أما جازان فتبدو كأنها خُلقت مكتملة الجمال، ثم تركت للإنسان شرف اكتشاف ذلك الجمال، لا صناعته.
هي مدينة لا تتبدل ملامحها مهما تبدلت الأزمنة. لها وجهٌ واحد، لأنه وجه الحقيقة. لا تعرف الأقنعة، ولا تحتاج إلى الزينة. تستقبل القادم إليها كما تستقبل الأرض أول قطرة مطر، وتودع الراحل عنها بشيء من الحنين الذي لا يُقال.
جازان لا تُحب الناس لأنها مدينة مضيافة، بل لأنها خُلقت وقلبها أوسع من جغرافيتها. تحمل الجميع كما تحمل الأشجار ثمارها، وتحتمل الجميع كما يحتمل البحر السفن التي تعبره، دون أن يسألها إلى أين تمضي.
ولم تكن، يومًا، مدينةً تصرخ لتثبت وجودها، فقد كانت تعرف أن الضجيج لا يصنع المجد، وأن التاريخ يكتب أسماء المدن التي تعمل في صمت، وتمنح أكثر مما تتحدث. لذلك بقيت، منذ أن خط الزمن أولى صفحاته، واقفةً في مكانها، لا تتكبر على البحر، ولا تنحني للعواصف، بل تصادق الاثنين معًا.
وحين يطلع الصباح عليها، لا يبدو الضوء وكأنه يأتي من السماء، بل كأنه يخرج من قلبها. وحين يهبط المساء، يتحول الغروب إلى صلاةٍ من نارٍ وذهب، يعجز الرسام عن القبض على أسرارها، ويكتفي بمحاولة الاقتراب منها. أما الليل، فهو دفتر أسرارها الكبير؛ فيه يهمس البحر، وتتسامر النخيل، وتستريح الأرواح التي أنهكتها المدن الصاخبة.
من يأتِ إلى جازان سائحًا، يعود منها محملًا بصورة. ومن يأتِ إليها عاشقًا، يعود بقصيدة. أما من يقيم فيها، فإنه يكتشف، مع مرور الأيام، أن بعض المدن لا تسكنها، بل تسكنك، وتعيد ترتيب قلبك على إيقاعها.
هذا هو السر الذي يجعل الفن يجد فيها بيته الطبيعي؛ فالأمكنة التي تتنفس الجمال لا تحتاج إلى من يزينها، وإنما تحتاج إلى من يصغي إليها. وكل لوحة رُسمت في ذلك المعرض كانت، في حقيقتها، محاولة للإصغاء إلى صوت جازان وهي تروي سيرتها الطويلة، سيرة مدينةٍ لم تصنع جمالها كما صنعت المدن جمالها، بل وُلدت جميلة، وبقيت وفيةً لذلك الجمال، تحرسه بالبحر حينًا، وبالنخيل حينًا، وبالإنسان دائمًا.
وهكذا، لم يكن معرض نوفوتيل مجرد احتفاء بالفن التشكيلي، بل كان احتفاءً بقدرة الجمال على مقاومة النسيان، وبقدرة الثقافة على أن تمنح المكان عمرًا آخر، لا تقاس سنواته بالتقويم، وإنما بما يتركه في الأرواح من أثر. فحين تنتصر الريشة على صخب الأيام، وتنتصر الفكرة على عابر الوقت، تدرك المدن أنها لم تُخلق لتكون محطات على الطريق، بل لتكون علاماتٍ مضيئة في ذاكرة الوطن.
وتلك هي جازان… كلما ظن العابر أنه عرفها، فتحت له نافذةً أخرى على دهشتها، وكلما اكتملت في العين صورةٌ لها، بدأت في القلب حكايةٌ جديدة.



