مقالات و رأي

غراس السنين في ينابيع الوفاء .. عندما يتكلم الحب أفعالاً لا أقوالاً

بقلم د. منى يوسف الغامدي

الاستثمار في الإنسان والعلاقات الطيبة هو أعلى درجات الاستثمار جدوى وأبقاها أثراً؛ وحين يتجلى هذا الاستثمار في البيئة التعليمية والعمل المجتمعي ، فإنه يتجاوز حدود نقل المعرفة وتحصيل المعرفة وتحصيل العلوم ليصبح صناعة واعية للهوية، وتشكيلاً للوجدان المشترك، وغرساً لمكارم الأخلاق التي تبقى وتثمر على مر السنين.

في هذا السياق ، تبرز محافظة ينبع كأنموذج حي ومثال استثنائي لهذه التجربة الاستثنائية الفريدة. فهذه المدينة الممتدة على ضفاف البحر الأحمر ليست مجرد قلعة صناعية أو بيئة تعليمية واعدة في الهيئة الملكية بينبع الصناعية، بل هي بوتقة وطنية انصهرت فيها أطياف المجتمع السعودي من مختلف المناطق وبكل الثقافات المحلية والعالمية. لقد توافد إليها أبناء وبنات الوطن من كل حدب وصوب، حاملين معهم تنوعهم الثقافي والاجتماعي، ليلتقوا على أرضها في نسيخ متناغم يجمعه هدف واحد: بناء الوطن والمشاركة في نهضته بمعية وصحبة أهل ينبع في قطاعاتها المتنوعة في ينبع البحر وينبع النخل وفي التحلية وفي العيص وكافة الهجر في خمال ورخو .

تجربة شخصية: ربع قرن من العطاء والمحبة

حين أعود بذاكرتي إلى أكثر من ربع قرن ، يمر شريط العمر أمام عيني كلمح البصر. قدمت إلى ينبع من المدينة المنورة وكان طفلي الصغير ابن شهرين فقط، واليوم وأنا أراه شاباً يملأ العين والقلب وأحتفي بيوم زفافه في ليلة استثنائية من ليالي العمر، تجسدت أمام عيني معنى الاستثمار الحقيقي في العلاقات الإنسانية حين اجتمعت صديقات العمر من جميع الينابيع الثلاث: ينبع النخل بتاريخها وأصالتها، وينبع البحر بدفئها وعراقتها، وينبع الصناعية والتحلية بالحداثة والتطور.

اجتمعت هذه القلوب لمشاركتي فرحتي في مشهد تختصر فيه السنون معنى التلاحم والوفاء. لم تكن تلك الليلة مجرد مناسبة اجتماعية، بل كانت لوحة وطنية مصغرة تعكس ما غُرس على مدى عقود:

علاقات العمل الإشرافي في التعليم: لم يكن الإشراف التعليمي بالنسبة لي مجرد مهمة عمل إدارية، بل كانت رسالة لبناء الإنسان. ومن خلاله، كسبت أسراً وأخوات وصديقات حقيقيات في كل بقعة وزاوية من ينبع على مدار ربع قرن في كل مدرسة لي فيها حكايات وذكريات لا تمحوها السنين.

العمل التطوعي في خدمة الوطن: إن العمل المجتمعي هو الميدان الذي يختبر صدق المشاعر، وهو الذي جمع هذه القلوب المتآلفة ليؤكد أن المحبة الصادقة تعلو فوق تباعد الأجساد والمسافات، وتظل حية في القلوب مهما طال الزمان.

الحب أفعال لا أقوال

كانت أمي- رقية- رحمها الله تقول دائما : (الحب ليس بالكلمات بل الأفعال هي ما تؤكده أو تنفيه). وما شهدته في ينبع من فيض المشاعر، والتلاحم، والدعم الصادق في أجمل لحظات حياتي، كان التجسيد الحي لتلك المقولة الخالدة.

إن أهل ينبع لا يكتفون بالتعبير عن المحبة بكلمات تُقال، بل يترجمونها وقفات صادقة وشعوراً بالجسد الواحد ، كرماء في طباعهم وأخلاقهم ومحبتهم وعطائهم وصدق مشاعرهم.

ختاما… شكراً ينبع الحب، وشكراً لوطن العطاء

إن تجربة الاستثمار في العلاقات الإنسانية داخل المؤسسات التعليمية وفي ميدان الخدمة المجتمعية تتجاوز المناهج والقاعات؛ إنها تبني مجتمعاً متماسكاً يواجه الحياة بقلب واحد.

شكر خاص لهذا الوطن العظيم الذي يجمعنا تحت ظله في أمن وأمان من رب كريم عظيم، وشكرا لمدينة ينبع ولأهلها الأوفياء الذين غمروني بفيض نبيل من مشاعرهم.

ستبقى ينبع شاهداً على أن جغرافيا المكان تنكمش أمام اتساع قلوب أبنائه، وأن ما نزرعه من حب وإخلاص اليوم، نحصده دفئاً ووفاءً ومحبةً مستدامة على مر السنين. جدتي ماريا الأحمدي رحمها الله علمتني درساً عظيماً فقالت لي : يا ابنتي بلهجتها البدوية الجميلة:

 (يا عامله يا واجده) ومازلت أردده بيني وبين نفسي حتى حفظته وطبقته في حياتي.

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى