مقالات و رأي

حين تصبح الوحدةُ وطنًا للقلوب المتعبة

✍ بدريه مجممي

ليست الوحدةُ دائمًا بابًا يُفضي إلى الحزن، ولا هي سجنٌ كما يظن كثيرون؛ بل قد تكون الملاذ الأخير لقلبٍ أنهكته الخيبات، وأضنته الوعود التي ذبلت قبل أن تُزهر، وأتعبته الوجوه التي كانت تبتسم في حضوره، ثم تُدير له ظهرها عند أول منعطفٍ من منعطفات الحياة.

بعضُ القلوب لم تعشق الوحدة، وإنما دفعتها إليها قسوةُ التجارب. كانت تؤمن أن الوفاء فطرة، وأن المحبة عهد، وأن القرب مسؤولية، حتى اكتشفت أن في هذه الحياة من يُتقن ارتداء الأقنعة أكثر مما يُتقن حفظ الود، وأن الكلمات قد تُقال ببلاغة، بينما المواقف وحدها هي اللغة التي لا تعرف الكذب.

وحين تتكرر الخيبة، يتغير شيءٌ في أعماق الإنسان. لا يعود كثيرَ السؤال، ولا كثيرَ العتاب، ولا كثيرَ الانتظار. يتقن الصمت كما يتقن البحرُ احتضان أسراره، ويكتفي بمراقبة الراحلين وهم يبتعدون دون أن يمد لهم يدًا تستجدي البقاء. ليس تكبرًا، بل لأن الكرامة حين تنكسر مرة، تتعلم كيف تحمي نفسها ألف مرة.

ما أقسى أن يمنح الإنسان قلبه بصدق، ثم يكتشف أن مكانه في قلوب الآخرين كان أصغر من أحلامه، وأضيق من وفائه. عندها تصبح الوحدة أقل وجعًا من صحبةٍ تُطفئ الروح، ويغدو الصمت أرحم من حديثٍ لا يحمل من الصدق إلا صداه.
ومع ذلك، فإن القلوب النقية لا تعرف الكراهية، ولا تُغلق أبوابها إلى الأبد. إنها تنتظر، لا شخصًا عابرًا، بل روحًا تُشبهها؛ روحًا إذا وعدت أوفت، وإذا حضرت أنست، وإذا غابت تركت في الذاكرة دعاءً جميلًا لا حسرةً موجعة.
فالوفاء ليس كلمةً تُقال، بل عمرٌ يُعاش، وموقفٌ يُختبر، وأثرٌ يبقى بعد انطفاء كل شيء. ومن رزقه الله قلبًا وفيًّا، فقد رزقه نعمةً لا تُشترى، لأن الأوفياء لا يملؤون الأماكن فحسب، بل يملؤون الحياة معنى.

وهكذا، تُصادق بعضُ القلوب الوحدة، لا لأنها وجدت فيها السعادة، بل لأنها لم تجد في زحام البشر قلبًا يليق بصدقها. وتبقى تؤمن، رغم كل ما أصابها، أن للوفاء موعدًا، وأن الأيام مهما أطالت ليلها، فلا بد أن تُشرق بشمسٍ تُعيد إلى القلب ثقته، وإلى الروح طمأنينتها، وإلى الحياة معناها الجميل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى