مقالات و رأي

مصابيح محترقة

بقلم / فهد العروي

كان هناك مفوض شرطة متقاعد، اعتاد أن يعيش في منزل حكومي فاخر، ثم انتقل بعد تقاعده إلى منزله الخاص في أحد الأحياء السكنية. وكان لا يزال يعتز كثيرًا بمنصبه السابق ومكانته الاجتماعية.
كل مساء كان يذهب إلى الحديقة العامة، لكنه لم يكن يتحدث مع أحد، وكان يشعر أن من حوله ليسوا في مستواه.
وفي أحد الأيام جلس إلى جواره رجل مسن وبدأ يتحدث معه بودّ، لكن المفوض لم يهتم بحديثه، بل ظل يتحدث عن نفسه، وعن منصبه السابق، وهيبته، واحترام الناس له.
وقال بفخر: “أنا أعيش هنا لأنه منزلي الخاص.”
استمر هذا المشهد عدة أيام، حتى قال الرجل المسن ذات يوم:
“يا سيادة المفوض… هل تعرف المصباح؟ طالما أنه مضيء فهو مهم، ولكن عندما يحترق (يتعطل)، فلا فرق بين مصباح قدرته 10 واط أو 100 واط، فكلاهما يصبح بلا نور.”
ثم أضاف:
“أنا أسكن هنا منذ خمس سنوات، ولم أخبر أحدًا أنني كنت عضوًا في البرلمان لدورتين.”
تغيّر لون وجه المفوض.
وأكمل الرجل:
الرجل الجالس إلى يمينك كان مديرًا عامًا للسكك الحديدية.
والذي أمامك كان فريقًا في الجيش.
والذي في الزاوية كان رئيسًا لمجلس إدارة شركة كبرى.
ومع ذلك… لم يتحدث أيٌّ منهم يومًا عن مناصبه السابقة.
ثم قال:
“نحن جميعًا هنا… بمن فينا أنت… مصابيح محترقة. وعندما ينطفئ التيار، لا فرق بين مفوض الشرطة ورجل الشرطة.”
الشمس عند الشروق جميلة… والشمس عند الغروب جميلة أيضًا…
لكن الناس يحيّون شمس الشروق، وينسون شمس الغروب.
هذه هي حقيقة الحياة.
المناصب، والسلطة، والجاه، والألقاب… كلها أمور مؤقتة، وليست هويتنا الحقيقية.
فإذا جعلناها أساس حياتنا، فلنتذكر أنها ستنتهي يومًا ما.
وكما في لعبة الشطرنج… الملك، والوزير، والفيل، والحصان، والجندي… لكل منهم قيمته أثناء اللعب.
لكن بعد انتهاء المباراة… يعود الجميع إلى الصندوق نفسه.
وفي النهاية…
مهما حصلنا في حياتنا على شهادات، وأوسمة، وجوائز…
فإن آخر شهادة رسمية نحصل عليها جميعًا هي: شهادة الوفاة
وقد يحتفظ بها أبناؤنا أو أحفادنا لفترة من الزمن لأغراض إدارية فقط…
أما الذي يبقى لنا حقًا فهو أعمالنا الصالحة، وأخلاقنا، وأثرنا الطيب بين الناس.
اللهم أحسن خاتمتنا، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك..
اللهمّ آمين 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى