ليس كل ضعفٍ يُخفى… وليس كل قلبٍ يؤتمن

بقلم: عزة محمد مسلم الفايدي (أم أصيل)
نولد ونحن نعتقد أن الحياة تُبنى على الثقة، ثم تمضي الأيام لتعلّمنا أن الثقة ليست هدية تُمنح لكل أحد، بل مسؤولية لا يحملها إلا أصحاب الضمائر الحية.
تتردد عبارة تقول: “لا تخبر أحدًا عن يدك التي تؤلمك، فقد يأتي زمان ويلويها، ولا تخبر أحدًا سر دمعتك، فيعرف كيف يبكيك.” وهي عبارة تحمل شيئًا من الحقيقة، لكنها ليست الحقيقة كلها.
المشكلة ليست في أن نعبر عن ألمنا، بل في أن نختار الشخص الخطأ لنبوح له. فهناك من يستمع إليك ليحتويك، وهناك من يستمع إليك ليجمع عنك المعلومات.
الأول يداوي جرحك، والثاني ينتظر اللحظة المناسبة ليضغط عليه.
في عالم اليوم، أصبح بعض الناس يحفظون نقاط ضعف الآخرين أكثر مما يحفظون محاسنهم. يتقنون الإصغاء لا بدافع التعاطف، بل بدافع الفضول أو المصلحة. فإذا تغيرت القلوب، تحولت الأسرار إلى أسلحة، وتحولت الثقة إلى خيبة.
لكن في المقابل، لو أغلق الإنسان قلبه تمامًا، لعاش وحيدًا يحمل أوجاعه بصمت حتى تثقل روحه. لذلك ليست الحكمة أن تخفي كل شيء، وإنما أن تعرف لمن تقول، ومتى تقول، وماذا تقول.
النضج الحقيقي لا يعني أن تشك في الجميع، بل أن تميّز بين من يستحق ثقتك ومن لا يستحقها. فالأيام كفيلة بكشف معادن البشر؛ منهم من إذا عرف ضعفك ستره، ومنهم من إذا عرفه شهر به، ومنهم من جعله وسيلة ليشعرك بالعجز.
احفظ كرامتك، ولا تجعل حياتك كتابًا مفتوحًا لكل عابر. فليس كل من ابتسم لك صديقًا، وليس كل من سأل عنك مهتمًا، وليس كل من واساك أمينًا على وجعك.
وفي النهاية، لا تجعل تجاربك القاسية تسرق منك إنسانيتك، ولكن اجعلها تمنحك بصيرةً أعمق في اختيار من يدخل إلى قلبك. فالثقة كنز، والكلمة أمانة، والضعف ليس عيبًا… وإنما العيب أن تضعه في يدٍ لا تعرف قيمة الأمانة.



