مقالات و رأي

الماء ثروة وطنية وحق في الحياة.. فلنحفظ مياه السيول قبل أن تضيع

أحمد يحيى جرادي

الماء أعظم النعم التي أنعم الله بها على خلقه، وهو أصل الحياة وسبب عمران الأرض واستقرار الإنسان والحيوان والنبات. وقد جعل الله تعالى الماء نعمةً مشتركة ينتفع بها خلقه، وجعل نزول المطر سببًا لإحياء الأرض وإخراج خيراتها، ولذلك فإن المحافظة على المياه، وحسن إدارتها، وعدم التفريط فيها، ليست قضية زراعية فحسب، بل قضية دينية وبيئية واقتصادية ووطنية تمس حاضر الأجيال ومستقبلها.
وقد بين القرآن الكريم مكانة الماء في الحياة، فقال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: 30].
وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 99].
وقال عز وجل: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: 18].
وفي آية بالغة الدلالة على علاقة المطر بالسيول والأودية، يقول الله سبحانه: ﴿أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا… وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: 17].
وهذه الآية تضع أمامنا معنى عظيمًا: ماء ينزل من السماء، فتسيل به الأودية، ثم يبقى في الأرض ما ينفع الناس. والمقصود هنا ليس أن كل مياه السيول يجب حبسها أو منعها من الوصول إلى البحر، فتصريف السيول وحماية المدن والقرى والطرق أمر ضروري، وإنما المقصود أن يكون التعامل مع مياه الأمطار والسيول قائمًا على التوازن بين السلامة والاستفادة وحفظ الموارد المائية.
إن من المؤلم أن نشاهد في بعض المناطق مياه الأمطار والسيول وهي تتجه بعيدًا عن الأراضي الزراعية، بينما تعاني تلك الأراضي من الجفاف، وتنخفض مناسيب بعض الآبار، وتتراجع القدرة على الإنتاج الزراعي عامًا بعد عام.
فهل من الحكمة أن نترك كل هذه المياه تذهب دون دراسة علمية متكاملة لإمكان الاستفادة من جزء منها في تغذية الطبقات الجوفية، أو دعم الأراضي الزراعية، أو إنشاء مسارات وأحواض ومواقع حصاد مياه، أو تعزيز السدود والمنشآت المناسبة، مع المحافظة في الوقت ذاته على سلامة السكان والممتلكات؟
إن المياه ليست موردًا عاديًا يمكن تعويضه بسهولة، بل هي أساس الزراعة والغذاء والثروة الحيوانية واستقرار المجتمعات. وكل قطرة ماء يتم الحفاظ عليها بصورة صحيحة قد تكون سببًا في بقاء مزرعة، أو إحياء أرض، أو توفير غذاء لأسرة، أو سقي شجرة، أو إنقاذ مصدر مياه جوفية للأجيال القادمة.
وقد نهى الله سبحانه عن الإسراف فقال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31].
وإذا كان الإسلام قد نهى عن الإسراف في الماء، فإن المحافظة على مصادر المياه وعدم إهدارها ينبغي أن تكون من أولوياتنا في إدارة مواردنا الطبيعية، خصوصًا في المناطق الزراعية التي تعتمد بصورة كبيرة على مياه الأمطار والسيول والمياه الجوفية.
ومن المنظور الحقوقي، فإن حماية المياه لا ينبغي أن تكون على حساب حق آخر؛ فلا يجوز أن تؤدي حماية مدينة من السيول إلى إلحاق ضرر غير مبرر بالمزارعين، كما لا يجوز أن تؤدي الاستفادة الزراعية من المياه إلى تعريض السكان والمنشآت للخطر. ولذلك فإن المطلوب هو إدارة متوازنة وعادلة للمياه تحفظ سلامة الإنسان، وتصون حقوق ملاك الأراضي، وتحافظ على البيئة، وتدعم الأمن الغذائي والمائي.
ومن هنا، فإنني أتوجه إلى الجهات المختصة بمناشدة صادقة لإعادة دراسة آليات التعامل مع مياه الأمطار والسيول، خصوصًا في المناطق الزراعية، والاستعانة بالخبرات الهندسية والبيئية والزراعية وأهل الخبرة من أبناء المناطق؛ لوضع حلول عملية تحقق أكبر قدر ممكن من الاستفادة من مياه السيول، دون الإضرار بالمدن والقرى أو الممتلكات أو الطرق.
كما آمل أن تُدرس مواقع السيول والأودية ومجاري المياه دراسة علمية شاملة، وأن يتم تحديد الأماكن التي يمكن فيها إنشاء مشاريع لحصاد مياه الأمطار، أو تغذية المياه الجوفية، أو دعم الأراضي الزراعية، وأن تكون القرارات مبنية على الدراسات والبيانات، لا على الحلول الموحدة التي قد تصلح لموقع ولا تصلح لآخر.
إن حماية الماء ليست مسؤولية المزارع وحده، ولا مسؤولية جهة حكومية واحدة، وإنما هي مسؤولية مشتركة بين الدولة والمجتمع والمزارعين وأصحاب الأراضي والجهات المختصة.
وإذا كان الله سبحانه قد جعل الماء سببًا للحياة، فإن المحافظة عليه واجب ديني وأخلاقي ووطني، وإهداره دون حاجة أو دراسة أمر ينبغي تجنبه. أما المسؤولية القانونية عن أي ضرر أو تفريط، فلا يصح نسبتها إلى شخص أو جهة بعينها إلا بعد ثبوت الوقائع والسببية والضرر وفق الأنظمة والجهات المختصة.
إننا اليوم بحاجة إلى أن ننظر إلى مياه الأمطار والسيول باعتبارها ثروة وطنية استراتيجية، لا مجرد مياه عابرة.
فالأرض التي تشرب تحيا، والزراعة التي تجد الماء تنتج، والحيوان الذي يجد الماء والغذاء يبقى، والأسرة التي تجد الغذاء تستقر، والوطن الذي يحافظ على مائه يحافظ على أمنه ومستقبله.
قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾ [لقمان: 10].
فلنحفظ نعمة الله، ولنحسن إدارة مياهنا، ولنترك للأجيال القادمة أرضًا حية وماءً محفوظًا وزراعةً قادرة على الاستمرار.
فالماء حياة، وحفظ الماء حفظٌ للحياة، وحسن إدارة هذه النعمة أمانة في أعناقنا جميعًا. أحمد جرادي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى