“لا تعودني على غيابك فألفه”

✍️ سميرة عبدالله
هناك غياب لا يشبه الغياب يمر على القلب كضيفٍ ثقيل ثم يستقر في تفاصيل الحياة حتى يصبح كل شيء بعده مختلفا وهناك أشخاص حين يغيبون لا يغيبون وحدهم بل يأخذون معهم شيئا من أرواحنا من ضحكاتنا من عاداتنا ومن ذلك الشعور الجميل بأن هناك من نلجأ إليه حين تضيق بنا الأيام.
لا تعودني على غيابك فأُلفه فالقلب مهما أحب له قدرة على التكيف قد يبكي في البداية ويسأل وينتظر ويراقب الطريق ثم مع مرور الأيام يبدأ في فهم الحقيقة القاسية أن الغائب اختار الغياب وأن الحياة لا تتوقف عند أحد.
في البداية يكون الغياب مؤلما. نبحث عن صوت اعتدناه عن رسالة كانت تصل في وقتها عن سؤال بسيط كان يمنح اليوم معنى..
نفتح الهاتف دون سبب نتفقد الأماكن التي جمعتنا ونستعيد الذكريات وكأننا نحاول أن نستدعي الغائب من الماضي.
لكن الزمن يفعل شيئا غريبا فهو لا يمحو الوجع دفعة واحدة وإنما يعلمنا كيف نحمله دون أن ننكسر تتسع المسافة بيننا وبين الذكرى ويهدأ الحنين وتصبح الأشياء التي كانت تؤلمنا مجرد تفاصيل نتذكرها دون أن نبكي.
ولهذا لا تجعل غيابك طويلا إلى الحد الذي يعلمني الاستغناء عنك.
لا تختبر مكانتك في قلبي كثيرا فقد يأتي يوم لا أعاتبك فيه ولا أسأل عنك ولا أنتظر عودتك ليس لأنني لم أعد أحبك وإنما لأنني تعلمت كيف أعيش دون حضورك.
فأصعب أنواع الفقد ليس أن يغيب الإنسان بل أن يعتاد القلب على الغياب .
قد نغفر الغياب، وقد نتفهم الظروف وقد نبحث للآخر عن ألف عذر لكننا في النهاية بشر ومشاعرنا ليست حجرا.
تحتاج إلى حضور إلى اهتمام إلى كلمة وإلى شعور صادق بأننا ما زلنا مهمين في حياة من نحب.
لا تعودني على غيابك فأُلفه، ولا تجعلني أعتاد المسافة بيننا فربما يأتي اليوم الذي يصبح فيه قربك أمرا عابرا بعد أن كان أمنية.
فالقلوب لا تتغير فجأة لكنها تتغير قليلا قليلا مع كل غياب وكل خيبة وكل انتظار طال أكثر مما ينبغي.
وحين يعتاد القلب الغياب لا يعود يخيفه الرحيل…
يصبح الرحيل مجرد طريق يعرفه جيدا وطريقا اعتاد السير فيه فلا يستوحش ظلمته .



