حين يكون اليقين سراج الطريق
الكاتبة / أمل بازيد
ماجستير إرشاد نفسي
أصعب ما قد يمر به الإنسان أن يسير في طريق لا يعلم نهايته؛ يبذل ما يستطيع، وتبقى في داخله أسئلة لا يملك لها جوابًا. يتمنى لو انكشف له من الغد ما يخفف ثقل الحاضر، لكن الحياة لا تمنحنا دائمًا هذا الوضوح، وقد يطول الانتظار دون علامة تدلنا على ما سيأتي.
نبحث حينها عن المواساة، فنجد كلمة حانية، ويدًا تمتد إلينا، وقلبًا يصغي إلى مخاوفنا. ولتلك المساندة أثرها، غير أن بعض القلق لا تبدّده الكلمات؛ لأن من يحبوننا، مهما صدقت محبتهم، لا يملكون كشف الغيب أو ضمان ما نرجوه.
هنا يجد القلب في اليقين بالله ما يسنده؛ حين يدرك أن ما يجهله معلوم عند الله، وأن ما يعجز عن تدبيره لا يخرج عن تدبيره سبحانه. فنحن نرى من الحكاية ما نعيشه، والله يعلم ما غاب عنا من أسبابها وعواقبها.
قال تعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾.
حين يستقر هذا المعنى في النفس، يصبح المجهول أهون على القلب. تبقى الأسئلة، لكن إلحاحها يهدأ؛ فلا نطالب أنفسنا بمعرفة ما يتجاوز قدرتها، ولا نفسّر غموض الغد على أنه نذير سوء. نتعلم أن نقف عند حدود معرفتنا دون أن تضيق بها ثقتنا بالله.
فاليقين أن تطمئن إلى الله وأنت لا تعرف ماذا سيحدث. ومن هذه الطمأنينة تنشأ القدرة على السعي؛ فتؤدي ما عليك، وتتخذ ما تستطيع من أسباب، ثم تسلّم إليه ما لا تملكه من نتائج. وهكذا يثمر اليقين توكلًا يعينك على العمل، ويخفف عنك عبء محاولة السيطرة على كل شيء.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.
في هذا الوعد سكينة لقلب يشعر أن أعباءه أكبر من طاقته. له رب يستعين به، ويرفع إليه حاجته، ويلجأ إليه حين تضيق السبل. وبهذا الرجاء يستطيع أن يمنح يومه حقه من الحياة، بدل أن يستنزفه في تخيّل آلام لم تقع، واحتمالات قد لا يأتي منها شيء.
ويظهر عمق اليقين حين تتأخر أمنية، أو تأتي الأقدار على غير ما نريد. ففي تلك اللحظات نحتاج إلى ثقة لا تتوقف عند حدود رغباتنا، وإلى رجاء لا نحصره في نتيجة واحدة. قد تكشف الأيام حكمة تأخير آلمنا، وقد تبقى بعض التجارب دون تفسير يريحنا؛ لكن ما نجهله من الحكمة لا يسلبنا حق الاستناد إلى رحمة الله.
وليس علينا أن نتكلف العثور على منفعة في كل وجع حتى نثبت يقيننا. لنا أن نحزن، وأن نعترف بثقل التجربة، وأن نسأل الله الفرج. فالحزن لا ينفي الثقة، والخوف لا يمحو الإيمان؛ وقد يكون اليقين حاضرًا في قلب متعب، تظهر قوته في دعاء لا ينقطع، ورجاء يتجدد كلما أوشك صاحبه على الاستسلام.
وحين يرسخ هذا اليقين، نرفق بأنفسنا في أيام العسر، فلا نجعل من تعثر عابر حكمًا على حياتنا كلها، ولا من تأخر الفرج سببًا للقنوط. نواصل ما نستطيع، ونستعين بالله على ما يشق علينا، ونترك لما لم نفهمه بعد مساحته، دون أن نظل أسرى السؤال.
إن اليقين سراج لا يكشف المسافة كلها، لكنه يمنحنا من النور ما يكفي للخطوة التالية. وربما كانت أعمق صور الطمأنينة أن يبقى القلب قادرًا على القول، في أشد لحظاته حيرة: لا أعرف كيف تنتهي الحكاية، لكنني أعلم أن أمري كله لله.
همسة أمل
حين يثقل عليك الطريق، قل: يا رب، هذا ما استطعت، وهذا ما عجزت عنه، فاهدني وأعنّي. لا تقسُ على قلبك إن تعب؛ ففي صدق الالتجاء قوة تعينك على النهوض. وقد تبدأ السكينة حين ترفع إلى الله حاجتك كما هي، دون أن تجد لها كلمات مرتبة؛ فهو يعلم من وجعك ما لم تستطع قوله



