المعلم صانع الأثر.. من مقاعد الدراسة إلى ميدان التعليم

بقلم: منى الصبي
من بين صفوف التعليم قد يبدأ طموح صغير، لكنه يكبر مع التشجيع، ويصبح مع الأيام طريقًا للنجاح.
فالمعلم لا يقتصر دوره على تقديم المعلومة، بل قد يكون سببًا في اكتشاف موهبة، أو بناء ثقة، أو تغيير مسار طالب إلى الأفضل.
ومن بين تلك الصفوف أشرق طموح إسراء، التي كان هدوؤها من أبرز ما يميزها، لكن خلف ذلك الهدوء كانت هناك مثابرة وطموح ونظرة إلى المستقبل. ورغم الصعوبات، واصلت طريقها حتى تخرجت في تخصص الرياضيات بدرجة الامتياز مع مرتبة الشرف، لتصبح معلمة رياضيات وتنتقل من مقاعد الدراسة إلى ميدان التعليم.
لكن خلف هذا النجاح معلمة بقي أثرها حاضرًا في ذاكرتها.
ففي المرحلة المتوسطة، كانت إسراء تكتب على كراستها اسم معلمتها التي كان لها فضل كبير بعد الله في تشجيعها ودعمها. فقد اكتشفت المعلمة تميزها، وساعدتها على تجاوز خجلها من الحديث والظهور أمام الطالبات.
وكان من أساليبها تخصيص مسابقة شهرية في مادة الرياضيات، تُعلن بعدها أسماء الطالبات المتفوقات في الطابور الصباحي، ويتم تكريمهن أمام الطالبات وإدارة المدرسة.
وكانت إسراء من بينهن.
كانت تطير فرحًا بذلك التكريم، وتعود إلى منزلها وهي تحمل شعورًا مختلفًا؛ فلم يكن الأمر مجرد تفوق في مادة دراسية، بل إحساس بأن هناك من يلاحظ قدراتها ويؤمن بها.
ومع مرور الوقت، وبالتشجيع المستمر، استطاعت إسراء أن تتغلب شيئًا فشيئًا على خجلها، حتى أصبحت تشارك على مستوى المدارس، بعد أن وجدت من يقول لها دائمًا: أنتِ تستطيعين.
ولم تكن تلك المعلمة ترى أن التفوق وحده كافٍ، بل كانت تؤكد لطالباتها أن العلم الحقيقي هو ما يمتد نفعه إلى الآخرين، وأنه لا يكفي أن تكون الطالبة متفوقة، بل الأجمل أن تنقل ما تعلمته، وتبرز مواهبها، وتشارك بما لديها من معرفة وقدرات.
وهنا يظهر الأثر الحقيقي للمعلم.
فالمعلم قد يرى في الطالب شيئًا لا يراه الطالب في نفسه، وقد تكون كلمة تشجيع منه سببًا في تغيير نظرته إلى قدراته ومستقبله.
واليوم، أصبحت إسراء معلمة رياضيات، تحمل معها أثر تلك المعلمة التي شجعتها يومًا، لتبدأ هي بدورها في صناعة أثر جديد مع طالباتها.
فالطالبة التي وجدت من يؤمن بها تستطيع اليوم أن تؤمن بقدرات غيرها، ومن تلقت التشجيع تستطيع أن تمنحه، ومن تعلمت أن المشاركة أفضل من الاكتفاء بالتفوق تستطيع أن تنقل هذه الرسالة إلى جيل جديد.
وهكذا يستمر الأثر من جيل إلى آخر؛ معلمة تغرس، وطالبة تنمو، ثم تصبح يومًا معلمة تواصل الغرس.
وفي اليوم العالمي للمعلمين، نتذكر أن التعليم لا ينتهي عند درس أو اختبار أو شهادة، وأن أجمل ما يقدمه المعلم لا يُكتب في الدفاتر، بل يبقى في شخصية الطالب وثقته وطموحه ومستقبله.
فقد يبدأ النجاح بكلمة، وقد تبدأ الثقة بموقف، وقد يبدأ المستقبل بمعلم رأى في طالبه ما لم يره الآخرون.
وهنا تكمن رسالة المعلم الحقيقية: علمٌ يُنقل، وثقةٌ تُبنى، وأثرٌ يبقى.



