نحو مفهوم جديد لرفاهة الإنسان وصحته

بقلم/ هيثم عبدالحميد
نجحت المملكة العربية السعودية في رفع متوسط العمر المتوقع من 74 عامًا في عام 2016 إلى 78.8 عامًا في عام 2024. هذا الإنجاز ليس مجرد رقم إحصائي، بل شهادة حية على تطور المنظومة الصحية، وتوسع التغطية العلاجية والوقائية، وارتفاع مستوى المعيشة. غير أن النجاح الحقيقي لا يكتمل عند هذا الحد، فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: «كم سنة نعيش؟»، بل: «كيف نعيش هذه السنوات؟».
إن رقم متوسط العمر، على أهميته، لا يكشف وحده نوعية الحياة؛ فلا يخبرنا هل يعيش الإنسان بكامل قدرته على الحركة والعمل والتعلم، أم يقضي جزءًا طويلًا من عمره تحت وطأة مرض مزمن أو إعاقة يمكن تأخيرها والحد من آثارها؟ من هنا ينطلق التقرير العلمي لملتقى أسبار (رقم 479) ليطرح التحدي الجوهري: كيف نحول زيادة العمر إلى زيادة في «العمر الصحي»، أي السنوات التي يعيشها الفرد بصحة وقدرة واستقلالية وجودة حياة؟
إن النجاح في إطالة الحياة لا يكتمل ما لم يصاحبه نجاح مماثل في تقليص سنوات المرض والعجز، خاصة مع التحول الديموغرافي وتزايد أعداد كبار السن في العقود المقبلة. وتكشف المؤشرات أن هذا التحدي ليس نظريًا؛ فبحسب تحليل وطني لبيانات مشروع PaRIS، أفاد نحو 64.1% من المشاركين بوجود حالة مزمنة واحدة على الأقل، فيما تتجاوز النسبة 80% لدى من يبلغون 45 عامًا فأكثر.
هذه الأرقام لا تعني محدودية التقدم الصحي، بل تؤشر على انتقال الاهتمام من مواجهة الأمراض المعدية والرعاية الطارئة إلى إدارة عبء متنامٍ من الأمراض غير المعدية، مثل السكري وأمراض القلب والسرطان والأمراض التنفسية والاضطرابات النفسية. وتتجاوز كلفة هذا العبء حدود المستشفيات والعيادات؛ حيث قدرت إحدى الدراسات الكلفة السنوية للأمراض غير المعدية في المملكة بنحو 91.6 مليار ريال (ما يعادل 3.08% من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2019)، شاملةً الإنفاق العلاجي المباشر وخسائر الإنتاجية والتقاعد المبكر وتراجع جودة الحياة.
لذلك، فإن الوقاية ليست بندًا ثانويًا، بل استثمار اقتصادي وتنموي طويل المدى. فكل تأخير في الإصابة بالأمراض المزمنة، وكل تحسن في النشاط البدني والغذاء والنوم والصحة النفسية، يعني سنوات أكثر قدرة على العطاء وأعباء أقل على الأسرة والنظام الصحي.
وهذا يحتم تطوير أدوات القياس الصحي لتتجاوز المؤشر الواحد؛ فالإنسان يحتاج إلى معرفة كم سنة سيعيشها دون ألم مزمن أو محدودية وظيفية، وهل تتوزع فرص الصحة بصورة عادلة بين جميع المناطق والفئات؟ من هنا تبرز أهمية ما يدعو إليه تقرير «أسبار» من اعتماد «العمر الصحي» غاية وطنية ومؤشرًا رئيسًا للأداء، مع توحيد منهجية قياسه وإنشاء مرصد وطني يحلل الفجوات ويوجه الموارد نحو الاحتياجات الأكثر إلحاحًا، بربط النتائج الصحية بالسياسات التعليمية والغذائية والرياضية والإسكانية وسوق العمل.
إن تحقيق «العمر الصحي» يتجاوز حدود وزارة الصحة؛ فالقرار الصحي يبدأ قبل العيادة بسنوات: في المدرسة التي تبني العادات السليمة، والمدينة التي تتيح المشي الآمن، وبيئة العمل التي تحد من الإجهاد، والتشريعات التي تحسن جودة الغذاء وتكافح التبغ. وتزداد هنا أهمية الرعاية الصحية الأولية بوصفها خط الدفاع الأول للتدخل المبكر قبل ظهور المضاعفات.
تتقاطع هذه الرؤية كليًا مع أهداف رؤية المملكة 2030 في رفع جودة الحياة وتنمية رأس المال البشري ورفع كفاءة الإنفاق. وفي النهاية، لا ينبغي أن يكون الطموح الوطني أن نضيف سنوات إلى الحياة فحسب، بل أن نضيف حياةً إلى السنوات؛ فالمجتمع الأكثر صحة ليس الذي يعيش أفراده أعمارًا أطول فقط، بل الذي يضمن أن تكون سنواتهم المتقدمة سنوات عطاء وكرامة واستقلالية.



