السعادة التي تنضج معنا

الكاتبة / أمل بازيد
كاتبة صحفية إعلامية لايف كوتش
ماجستير إرشاد نفسي
السعادة ليست عمرًا نبلغه، ولا مرحلةً ننتظر قدومها، ولا أمنيةً نؤجل فرحتنا حتى تتحقق. إنها شعور تتبدل ملامحه كلما عبرنا فصلًا جديدًا من فصول الحياة؛ فما كان يسعدنا بالأمس قد لا يحمل المعنى ذاته اليوم، وما كنا نمر به دون التفات قد يصبح مع مرور السنوات من أثمن ما نملك. فليست السعادة في ثبات أسبابها، بل في قدرتنا على اكتشافها من جديد كلما تغيرت الحياة من حولنا.
في البدايات، قد نجد سعادتنا في تحقيق أمنية، أو خوض تجربة جديدة، أو نيل إعجاب من حولنا. ثم تمضي بنا السنوات، فنكتشف أن للطمأنينة قيمة تفوق كثيرًا من مظاهر الفرح، وأن راحة البال قد تكون أعظم من إنجاز صفق له الجميع. ومع النضج، نعيد ترتيب أولوياتنا، فلا نعود نبحث عن كل ما يلفت الأنظار، بل عما يضيف إلى حياتنا معنى، وإلى نفوسنا سلامًا.
ولعل من أجمل ما يكتسبه الإنسان خلال رحلته أن يتصالح مع ذاته، ويدرك أن قيمته لا تُقاس بما يملكه، ولا بما حققه مقارنة بغيره. فلكل إنسان مساره الخاص، وظروفه التي لا تشبه سواه، وصفات ومواهب تستحق أن يعتز بها. ومن الإجحاف أن يقضي المرء عمره منشغلًا بما ينقصه، حتى يغفل عما أنعم الله به عليه، أو أن يسمح لأحكام الآخرين بأن تحدد مقدار رضاه عن نفسه.
ومع تعاقب المراحل، نتعلم أن نأخذ من تجاربنا ما يزيدنا حكمة، وأن نترك خلفنا ما أثقل أرواحنا من مقارنات وأحكام. فليس كل رأي يُقال عنا يعكس حقيقتنا، ولا كل نقد يستحق أن نعيد النظر في أنفسنا من أجله. ومن يعرف قدر نفسه لا يحتاج إلى أن يثبت قيمته في كل موقف، ولا أن يخوض معركة لإقناع الجميع بما هو عليه.
غير أن الرضا لا يعني الاستسلام، والقناعة لا تتعارض مع الطموح. فمن حق الإنسان أن يسعى إلى الأفضل، وأن يبدأ حلمًا جديدًا مهما تقدم به العمر، دون أن يجعل سعادته مرهونة بما لم يصل إليه بعد. فكم من شخص امتلك أسباب الفرح، لكنه لم يشعر بها لانشغاله الدائم بما يفتقده، وكم من آخر وجد في تفاصيل بسيطة ما يمنح أيامه معنى يستحق الامتنان.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾.
وللامتنان أثر عميق في نظرتنا إلى الحياة؛ فهو لا يلغي ما نمر به من صعوبات، ولا ينكر ما نحمله من أحزان، لكنه يعيننا على ألا تختزل لحظات الألم حياتنا بأكملها، وأن نرى ما بقي لنا من نعم وفرص تستحق أن نحمد الله عليها.
وحين نتأمل ما مضى من أعمارنا، قد نكتشف أن بعض اللحظات التي حسبناها عادية كانت أجمل مما أدركناه حينها، وأن أمورًا استنزفت تفكيرنا لم تكن تستحق كل ذلك العناء. وربما كان النضج الحقيقي أن نتعلم كيف نمنح الأشياء حجمها المناسب، فلا نبالغ في الحزن على ما فات، ولا نستهين بقيمة ما نعيشه الآن.
فلا تجعل سنوات عمرك مقياسًا لما تستطيع أن تحققه، ولا تنظر إلى المراحل التي مضت وكأنها أخذت معها فرص سعادتك. فما دمت قادرًا على التعلم، والمحاولة، واكتشاف جانب جميل في يومك، فإن للحياة ما يمكن أن تمنحك إياه. وليس مطلوبًا أن تكون كل أيامك سعيدة، بل أن تبقى قادرًا على استقبال الفرح حين يأتي، وألا تفقد ثقتك بأن القادم قد يحمل لك ما لم تتوقعه.
همسة أمل
لا تؤجل سعادتك انتظارًا لظروف مثالية، ولا تسمح للعمر أو لأحكام الآخرين أن تختصر قيمة حياتك. اعتز بما يميزك، وواصل السعي إلى ما تتمنى بقلب طموح ونفس راضية. فالعمر لا يُقاس بعدد السنوات التي عبرناها فحسب، بل بما منحناها من معنى، وما تركته فينا من وعي، وما استطعنا أن نصنعه خلالها من لحظات تستحق أن تُعاش. وأجمل ما نبلغه مع الأيام أن نعرف كيف نحمد الله على ما مضى، ونحتفي بما نملك، ونستقبل ما يأتي بأمل لا يشيخ …


