منال الرقابي.. «أطلال منال» تحوّل التراث السعودي والخيل العربية إلى حكايات من الأناقة والإبداع

د. وسيلة محمود الحلبي
مصممة الأزياء السعودية تستلهم من أصالة الخيل وجماليات التراث، وتترجم الذاكرة الوطنية إلى أعمال فنية تنبض بالهوية
في تجربة إبداعية تجمع بين أصالة الموروث السعودي وسحر الأزياء وجماليات الفن التشكيلي، تقدم مصممة الأزياء السعودية منال الرقابي، مؤسسة علامة «أطلال منال»، رؤيتها الفنية الخاصة التي تجعل من الأنسجة مساحةً للتعبير عن الهوية الوطنية، ومن الخيل العربية الأصيلة مصدر إلهام يجسد القوة والصمود والجمال. فمن شغف طفولي بالرسم والأناقة والخياطة، إلى تصميم قطع تستحضر الذاكرة التراثية بروح معاصرة، تمضي الرقابي في مسار إبداعي تؤمن فيه بأن الأزياء ليست مجرد مظهر، بل حكاية ثقافة وانتماء وامتداد لجذور راسخة.
من شغف الطفولة إلى تأسيس «أطلال منال»

تروي منال الرقابي أن علاقتها بالفن والجمال وتصميم الأزياء بدأت منذ طفولتها، بوصفها موهبة وشغفًا فطريًا، تشكّلا في بيئة عائلية احتفت بالأناقة وفنون الخياطة. فقد استلهمت من والدتها، التي كانت تبدع في حياكة أثواب الطفولة، ومن عماتها المتميزات في الخياطة والتفصيل، البدايات الأولى لحلمها في صناعة أزياء تحمل بصمتها الخاصة.
ومع تشجيع أسرتها ودعمها، بدأت تنفيذ تصاميمها للأهل والمعارف، لتتحول الهواية تدريجيًا إلى تجربة إبداعية أكثر نضجًا، وصولًا إلى إطلاق علامتها التجارية «أطلال منال»، التي اختارت لها اسم «أطلال» استلهامًا من فرس ارتبطت في ذاكرتها بمعركة القادسية، في دلالة تعكس ارتباط العلامة بالأصالة والفخر والاعتزاز بالتاريخ.
الخيل العربية.. إلهام للقوة والصمود
لم يكن ارتباط الرقابي بالخيل العربية مجرد إعجاب بجمالها، بل تجربة إنسانية عميقة شكّلت نقطة تحول في مسيرتها. فخلال مرحلة شخصية صعبة سبقت جائحة كورونا، وجدت في الخيل مساحة للسكينة والراحة النفسية، الأمر الذي دفعها إلى التعمق في تاريخ الخيل العربية الأصيلة وما تحمله من معاني القوة والشموخ والصبر.
ومن هذا التقارب الوجداني، استلهمت جانبًا من هويتها التصميمية، مستحضرةً صورة الخيل بوصفها رمزًا للأصالة والقدرة على تجاوز التحديات. وبعد الجائحة، اتخذت قرار إطلاق علامتها التجارية، لتبدأ مرحلة جديدة من تحويل مشاعرها وتجاربها إلى تصاميم تحمل روحها الخاصة.
«الجودة أولًا».. فلسفة تجمع التراث بروح معاصرة

تقوم فلسفة منال الرقابي التصميمية على مبدأ «الجودة أولًا»، مع الحرص على ابتكار قصات وأفكار تمنح الأزياء قيمة فنية تتجاوز حدود الموضة التقليدية، وتربطها بالموروث السعودي وجماليات الأدب والفنون.
ولتعزيز تجربتها، شاركت في ورش تطويرية لدى مكتب الاستشارات الإدارية «شوري»، قبل أن تخوض أولى مشاركاتها في المعارض خلال أيام التأسيس عام 2023، برعاية مؤسسة «أحياها الإنسانية» و«رياديات»، حيث قدمت مجموعة من التصاميم المستلهمة من الموروث السعودي برؤية متجددة.
كما امتد حضورها الفني إلى مشاركتها مؤخرًا بقطعة فنية مع الفنانة التشكيلية القديرة الدكتورة منال الرويشد، ضمن أمسية «ثقافة اللون الأخضر»، وهي مشاركة تعتز بها الرقابي، وتعدها إحدى المحطات التي أتاحت لها تقديم رؤيتها في مساحة تجمع الفن واللون والهوية.
«روح».. تحية فنية لرواد التشكيل السعودي

وفي احتفالات اليوم الوطني، قدمت الرقابي عملًا فنيًا حمل اسم «روح»، أهدته إلى عدد من رواد الفن التشكيلي السعودي، تقديرًا لما قدموه من إبداع ورسائل فنية أسهمت في حفظ الذاكرة الثقافية والتراثية للمملكة.
وتتقدم الفنانة الراحلة صفية بن زقر، رحمها الله، قائمة الأسماء التي استلهمت منها الرقابي رؤيتها، لما تميزت به أعمالها من اهتمام عميق بتفاصيل الحياة الاجتماعية والأزياء التراثية، وما حملته تجربتها من رسالة راسخة في توثيق التراث السعودي وصون ملامحه للأجيال القادمة.
وقد استوقفتها لوحة «الزبون»، المعروفة باسم «موناليزا الحجاز»، بما تجسده من جماليات الزي التراثي ودقة التفاصيل وثراء الهوية المحلية، لتستلهم منها بعض ملامح عملها «روح»، في محاولة إبداعية لاستحضار الذاكرة التراثية بلغة فنية معاصرة.
وسبق للرقابي أن قدمت مجموعة متكاملة من العبايات استلهمت فكرتها من بيت المتنبي الشهير:
«الخيل والليل والبيداء تعرفني»
وهو استلهام يعكس حضور الخيل في وجدانها، وارتباطها بمعاني العزة والقوة والأصالة، التي تحرص على ترجمتها إلى خطوط وأقمشة وتفاصيل تحمل طابعًا مميزًا.
العائلة.. الحكاية الأولى للإبداع
وفي ختام حديثها، عبّرت منال الرقابي عن عميق امتنانها لأسرتها، مؤكدة أن والدتها وعماتها كنّ المنبع الأول لشغفها بالأناقة وفنون الخياطة والتصميم، وأن دعمهن وتشجيعهن كان لهما أثر بالغ في مسيرتها، وفي وصول موهبتها إلى مرحلة الإنتاج والإبداع.
كما وجهت شكرها وتقديرها للإعلامية الدكتورة وسيلة محمود الحلبي، لإتاحة الفرصة للتعريف بتجربتها وتسليط الضوء على أعمالها ورؤيتها الفنية في استلهام الموروث وتقديمه بقالب إبداعي معاصر.
«أطلال منال».. حين تتحول الأزياء إلى ذاكرة وهوية
تقدم تجربة منال الرقابي نموذجًا لموهبة سعودية تسعى إلى بناء لغة تصميمية تستحضر الماضي دون أن تتوقف عنده، وتستثمر رموزه وجمالياته لصناعة أعمال تواكب الحاضر وتحمل ملامح الهوية الوطنية. وبين الخيل العربية والأزياء التراثية والفن التشكيلي، تنسج الرقابي حكايتها الخاصة، مؤمنةً بأن التراث ليس أثرًا محفوظًا في الذاكرة فحسب، بل مصدر إلهام متجدد، قادر على أن ينطق بالجمال ويصون الهوية ويمنح الإبداع السعودي آفاقًا أرحب.



