إعلان مدفوع

إعلان
اعلانك يحقق اهدافك لاتتردد
منوعات

لا تحزني يا وطني

دمعت عيناي اليوم.

لم تكن صورة المطار بالنسبة لي مجرد صورة عابرة في خبر. رأيت الدخان، ورأيت ما خلّفه الاعتداء، وشعرت للحظة أن شيئًا في داخلي لا يعرف: هل يحزن أم يغضب؟

عندما أكتب اليوم، لا أكتب بصفتي محللةً ولا متابعةً للشأن السياسي، بل أكتب كمواطنة آلمها ما مسَّ وطنها، وأغضبها أن تمتد إليه يد الأذى.

لم أتخيل يومًا أن يطاوع إنسانٌ نفسه، أو يزيّن له شيطانه، أن يؤذي هذه الأرض.

بلاد الحرمين.

مهبط الوحي.

الأرض التي يقصدها المسلمون من كل بقاع الدنيا، ويأتون إليها وقلوبهم معلقة بمكة والمدينة.

الوطن الذي ما عرفناه إلا فاتحًا أبوابه، باسطًا يده بالخير، حاضرًا حين يستغيث به محتاج، ومضيفًا لمن قصده، ومكرمًا لمن حلَّ بأرضه.

وطنٌ فتح قلبه قبل أبوابه.

أعان، وأغاث، واستضاف، وأكرم.

وشعبٌ عُرف بالسخاء، وبيتٌ كبير اتسع لمن قصده.

لذلك لم تكن الصورة بالنسبة لي مجرد دخان يتصاعد من مطار.

كانت شيئًا أصاب قلبي أنا أيضًا.

نظرت إليها، ودمعت عيناي، ووجدتني أردد في داخلي:

السعودية لا تستحق إلا كل الخير.

لا أقولها لأنني أبحث عن عبارة وطنية جميلة، بل لأنني ابنة هذه الأرض، ولأنني أعرف ماذا تعني لي.

هنا مكة.

وهنا المدينة.

وهنا قبلة المسلمين، والأرض التي يفد إليها الناس من كل فجٍّ، مختلفين في ألوانهم وألسنتهم وأوطانهم، ثم يجمعهم مكان واحد وقبلة واحدة.

ومع كل هذا الحزن، نظرت مرة أخرى…

فوجدت الحياة تمضي.

الناس يذهبون إلى أعمالهم، والأطفال إلى مدارسهم، والمعلم يدخل فصله ليعلّم، والطبيب يعود إلى مرضاه ليداوي، والعامل في موقعه يعمل، والمساجد تُقام فيها الصلوات، والطائفون يطوفون حول بيت الله.

والخير ما زال يخرج من هذه الأرض.

وكأن الوطن يقول لنا:

أنا بخير… أنا بكم بخير.

بإنجازاتكم أرفع رأسي، وبنجاحاتكم أعلو، وبكل ابن وابنة يحملان اسم هذا الوطن إلى مكان أعلى أزداد فخرًا.

وهنا هدأ شيء في داخلي.

لأن القوة ليست دائمًا في الضجيج.

أحيانًا تكون القوة في أن يمسّك الألم ثم تمضي.

أن تبقى كريمًا رغم ما أصابك.

أن تستمر في الخير.

أن تعمل، وتبني، وتنجز.

ولا أخفي أنني حزنت.

حزنت لكل من تأذى، ولكل من رحل، ولكل بيت طرق الحزن بابه.

لكن حزني لم يأخذ مني يقيني.

رحم الله من رحل، وشفى المصابين، وجبر قلوب أهلهم جبرًا عظيمًا.

أما وطني، فلا أراه بعين الخوف.

أراه بعين اليقين.

يقين بأن الحافظ أولًا وآخرًا هو الله.

وأن القوة مهما عظمت، والحراسة مهما اشتدت، والعيون مهما سهرت، يبقى فوق كل ذلك حفظ الله.

ويطمئن قلبي حين أقرأ قول الله تعالى:

﴿إِن يَنصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾

يا لها من طمأنينة…

أن يكون يقيننا، بعد الأخذ بالأسباب، بمن يملك كل شيء.

يا مهبط الوحي… لا تحزن.

أبناؤك في مواقعهم.

طبيبك يداوي، ومعلمك يعلّم، وجنودك يحرسون، وعاملك يعمل، وأطفالك يذهبون إلى مدارسهم، وأهلك يمضون في حياتهم، ومكة تستقبل قاصديها، والمدينة تستقبل زائريها.

ونحن بفضل الله ماضون.

سنبني، ونعمل، ونتعلم، ونداوي، وننجز، ونرفع اسم وطننا بما استطعنا.

وإن قال لنا وطننا:

أنا بكم بخير.

قلنا له:

ونحن بك يا وطننا بخير.

وفي وسط كل هذا الضجيج الذي في داخلي، لم أجد أصدق من دعاء إبراهيم عليه السلام:

﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا﴾

اللهم احفظ المملكة العربية السعودية، وأدم عليها أمنها وأمانها.

اللهم احفظ خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، واحفظ ولي عهدنا صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ووفقهما لما تحب وترضى.

اللهم احفظ ولاة أمرنا، وسددهم، واجعلهم عونًا للإسلام والمسلمين.

اللهم احفظ جنودنا ورجال أمننا، وسدد رميهم، وثبت أقدامهم، واحفظهم في برنا وبحرنا وسمائنا.

اللهم اشفِ المصابين، وارحم من رحل، واجبر قلوب أهاليهم.

يا مهبط الوحي… لا تحزن.

قد يؤلمنا ما يمسّك، وقد تدمع أعيننا من أجلك، لكننا لن نجعل الحزن يوقف خطانا.

سنمضي، وسنبني، وسننجز، وسنبقى بعون الله في الصفوف الأمامية.

فنحن بك بخير…

وأنت بنا ـ بإذن الله ـ ستظل شامخًا.

بقلم بنت المملكة العربية السعودية
حفصه عبدالله العطاس
Hau7966@gmail.com

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى