دار نورة الموسى الثقافي.. أثرٌ ثقافي غادرتُ مكانه ولم يغادرني

بقلم: د أمل حمدان الشريف
من الأحساء إلى المدينة المنورة، لم تكن رحلة العودة مجرد انتقال بين مدينتين؛ فقد حملتُ معي حكاية مكانٍ استثنائي، وتجربة ثقافية تجاوز أثرها حدود الزيارة، لتبقى في الذاكرة شاهدًا على أن بعض الأماكن لا تنتهي حكايتها عند مغادرتها، بل يبدأ أثرها الحقيقي فينا بعد الرحيل.
في دار نورة الموسى الثقافي بمحافظة الأحساء، تتجاوز التجربة حدود جمال المكان وتفاصيل تصميمه، لتلامس حكاية الإنسان الذي يقف خلفه؛ نورة الموسى، صاحبة الاسم الذي أصبح عنوانًا لفضاء ثقافي يحتفي بالعلم والثقافة والإبداع. فحين يتحول الشغف بالمعرفة إلى مشروع يخدم المجتمع، يصبح المكان امتدادًا لفكرة، وتجسيدًا لقناعة، وأثرًا تتجدد رسالته مع كل تجربة جديدة.
وقد ازدادت زيارتي ثراءً حين رافقتني الدكتورة غادة الدوغان، الرئيس التنفيذي للدار، والأستاذ سلمان إسماعيل، رئيس المسار الثقافي، والأستاذ صالح النينياء، رئيس المسار الفني، في جولة داخل مرافقها ومساحاتها. لم تكن الجولة مجرد انتقال بين أركان المكان، بل كانت فرصة للتعرّف على تفاصيل التجربة من داخلها، واستكشاف ما تحمله مرافق الدار من إمكانات ثقافية وفنية، وما تقوم عليه من رؤية لاحتضان المواهب وتهيئة بيئة محفزة للإبداع.
في تلك الجولة، شعرتُ بروح المكان. فثمة فرق بين أن يرى الزائر المرافق، وأن يكتشف رسالتها من خلال من يديرونها ويشرفون على مساراتها؛ حين تتكامل المعرفة بالتفاصيل مع الشغف بالعمل، وتتحول المساحات من عناصر معمارية إلى بيئة نابضة بالفرص والأفكار. لقد منحتني مرافقة الرئيس التنفيذي ورؤساء المسارات فرصة لقراءة المكان بصورة أعمق، والاقتراب من فلسفته الثقافية، واستيعاب ما يمكن أن تصنعه المؤسسات حين تلتقي الرؤية بالممارسة.
ويبرز في تجربة الدار تكامل التصميم مع الوظيفة الثقافية؛ فالمكان لا يكتفي بجمال تفاصيله، بل يتيح مساحات للتفاعل والتجربة، ويدعم الموهوبين والمهتمين بالثقافة والفنون، بما يعزز حضور الإبداع في الحياة المجتمعية. وهنا تتجلى قيمة المرافق الثقافية التي تتجاوز استضافة الفعاليات إلى بناء بيئات حاضنة للمعرفة، ومهيئة لنمو المواهب، ومحفزة على الإنتاج الإبداعي.
وقد جاءت زيارتي ضمن محطات مبادرة «جولة وطن»، التي ينفذها نادي تِلاد الثقافي بالتعاون مع نادي مدار الثقافي، بهدف التعرف على التجارب والمؤسسات الثقافية في مناطق المملكة، ورصد ما تقدمه من مبادرات ومرافق تسهم في تنمية الحراك الثقافي وتعزيز الشراكات وتبادل الخبرات.
ومثّلتُ نادي تِلاد الثقافي في الزيارة، بمشاركة وفد نادي مدار الثقافي برئاسة الأستاذ جاسم الزيد، وعضوية الأستاذين مجتبى الحاجي وحسين الباشا. وقد أتاح اللقاء مساحة للتواصل الثقافي وتبادل الرؤى حول أهمية المؤسسات التي تجعل من الثقافة ممارسة حية، ومن الإبداع فرصة متاحة للمواهب والمهتمين.
واختُتمت الزيارة بتقديمي درعًا تكريميًا للدكتورة غادة الدوغان، الرئيس التنفيذي لدار نورة الموسى الثقافي، تقديرًا لدور الدار في دعم الحراك الثقافي والفني، واحتفاءً بالتجارب التي تثري المشهد الثقافي الوطني. وجاء التكريم في سياق رسالة «جولة وطن» الرامية إلى تعزيز التواصل بين المؤسسات الثقافية، وتقدير الجهود التي تسهم في بناء بيئات داعمة للمعرفة والإبداع.
غادرتُ الأحساء، لكن دار نورة الموسى الثقافي لم تغادر ذاكرتي. بقيت روح المكان حاضرة؛ في تفاصيله، وفي الرسالة التي يحملها، وفي مرافقة فريقه الذي أتاح لي الاقتراب من تجربته وفهم ملامحها. وبقيت حكاية نورة الموسى عنوانًا لمعنى يتجاوز حدود المبنى: حين يتحول الشغف بالعلم والثقافة إلى إرث يفتح أبوابه للآخرين، ويمنح الموهبة مساحة، والإبداع فرصة، والمعرفة طريقًا إلى الأثر.
فالأثر الثقافي الحقيقي لا يُقاس بما نشاهده في لحظة الزيارة، بل بما يبقى معنا بعدها؛ فكرة تستقر في الذاكرة، وإلهام يدفع إلى العمل، وتجربة تستحق أن تُروى. وذلك ما حملته معي من الأحساء إلى المدينة المنورة: مكانٌ غادرتُه، وروحٌ بقيت معي، وأثرٌ تجاوز المسافة.



