حين تكون الحكمة أقوى من الحرب: الاستراتيجية السعودية في ميزان التاريخ.

بقلم: البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي.
أستاذ جامعي سابق ـ مستشار وباحث في التخطيط الإستراتيجي والقيادة.
من فترة ماضية أهداني أحد الأصدقاء كتابي فن الحرب لسون تزو وكتاب عن الحرب لكلاوزفيتز.. تعجبت من اختياره وسألته: لماذا تهديني هذين الكتابين؟ فقال لي: «اقرأهما بعناية فأنت طالما اهتممت بالاستراتيجيات والقيادة ستجد فيهما أفكاراً عميقة عن الحروب وإدارة الصراعات..
وبصراحة دفعتني هذه الهدية إلى قراءة بعضاً من الفصول في كلا الكتابين ومازلت أحاول تصيد الأوقات المناسبة لتكملة القراءة ..
والحقيفة من خلال القراءة تأملت في حكمة المملكة العربية السعودية في التعامل مع الأحداث الراهنة وكيف يمكن قراءة مواقفها في ضوء أفكار استراتيجية تجاوز عمرها قروناً لكنها لا تزال حاضرة في فهم الصراعات وإدارة الأزمات.
يقول سون تزو إن أعظم الانتصارات هي التي تتحقق دون خوض المعركة بينما يرى كلاوزفيتز أن الحرب امتداداً للسياسة ولكن بوسائل أخرى. وبين الفكرتين تتضح أهمية الموازنة بين القوة والحكمة فليس كل تصعيد انتصاراً وليس كل تجنب للمواجهة يعتبر ضعفاً بل العبرة بقدرة الدولة على تحقيق أهدافها وحماية مصالحها بأقل الخسائر الممكنة.
ومن هذا المنطلق تبرز أهمية النهج السعودي في الجمع بين إستراتيجية الجاهزية الدفاعية والتحرك الدبلوماسي وحماية المصالح الوطنية والحفاظ على استقرار الاقتصاد ومكتسبات التنمية. فالتحدي لا يكمن في مواجهة التهديدات فحسب بل في منع تحولها إلى صراع مفتوح يستنزف الموارد ويعرقل المستقبل.
إن قوة الدولة لا تقاس فقط بما تملكه من قدرات عسكرية بل أيضاً بحسن تقديرها للمواقف وقدرتها على اختيار التوقيت المناسب ومعرفة متى تستخدم القوة ومتى تفتح أبواب السياسة.
فالحكمة ليست في إشعال الحرب، ولا في تجنبها مهما كان الثمن بل في معرفة متى يكون الحزم ضرورة ومتى تكون الدبلوماسية انتصاراً وكيف تحمى الأوطان دون التفريط في حقوقها فهذه إستراتيجيات الحرب القوية والحكيمة..
إذ تكمن هنا قيمة الاستراتيجية الحقيقية أن تمتلك الدولة من القوة ما يحمي سيادتها ومن الحكمة ما يجنبها الاستنزاف ومن الرؤية الحكيمة ما يجعل القرارات الحاضرة هي التي تخدم الأمن الوطني وتؤمن مستقبله.
قد تنتهي المعركة بانتصار عسكري لكن النجاح الإستراتيجي الأعمق هو أن تحقق الدولة أهدافها وتحفظ استقرارها وتصون مصالح شعبها دون أن تدفع تكاليفاً تفوق ما تقتضيه المصلحة والضرورة.



