مصر والسعودية.. تضامن الشعوب قبل تضامن القيادات، والحكمة أقوى من الحروب

بقلم: وليد سليمان
في لحظات الأزمات الكبرى، تُختبر حقيقة العلاقات بين الدول، وتنكشف معادن الشعوب، ويصبح الموقف الصادق أكثر قيمة من آلاف الكلمات. وما تشهده العلاقات المصرية السعودية اليوم، في ظل التطورات الإقليمية المتصاعدة، يعيد إلى الأذهان حقيقة راسخة مفادها أن مصر والسعودية ليستا مجرد دولتين تجمعهما مصالح سياسية أو اقتصادية، بل تربطهما أواصر تاريخية وعربية وإسلامية أعمق من أن تهزها الأزمات أو تفرقها الخلافات.
لقد أعاد طلب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عقد جلسة استثنائية لمجلس النواب للنظر في تفويضه باتخاذ ما يلزم للدفاع عن المملكة العربية السعودية، إذا طلبت ذلك، التأكيد على أهمية الأمن السعودي بالنسبة إلى الأمن القومي المصري والعربي. وهو موقف يحمل دلالات سياسية واستراتيجية واضحة، لكنه في الوقت نفسه يضع أمام الجميع مسؤولية كبرى في تقدير عواقب المرحلة، والعمل بكل الوسائل الممكنة لتجنب اتساع دائرة الصراع.
غير أن المشهد الأهم لا ينبغي أن يقتصر على ما يصدر عن القصور الرئاسية أو المؤسسات الرسمية؛ فهناك موقف آخر لا يقل أهمية، يتمثل في وجدان الشعبين المصري والسعودي، وفي مشاعر الأخوة التي تجمع الملايين من أبناء البلدين.
فالتضامن الحقيقي لا تصنعه البيانات الرسمية وحدها، ولا تقاس قوته بعدد التصريحات أو الاتفاقيات، بل يظهر في المواقف الصادقة، وفي شعور المصري بأن أمن السعودي واستقراره أمر يستحق الاهتمام، كما يشعر السعودي بأن مصر وشعبها شريك أصيل في هموم الأمة العربية ومستقبلها.
وهذه الروح لا تعني أن يتفق الجميع في كل التفاصيل، ولا أن تختفي الاختلافات في وجهات النظر، وإنما تعني أن تبقى الخلافات في إطارها الطبيعي، وألا تتحول إلى خصومة بين الشعوب، أو إلى مادة للتراشق والتشكيك وإشعال الفتن عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فالعلاقات بين الشعوب أكبر من أن تختزلها تعليقات عابرة، وأعمق من أن تهدمها حملات التحريض أو المواقف الانفعالية.
مصر والسعودية.. أخوة تتجاوز حسابات اللحظة
لقد جمعت مصر والسعودية روابط التاريخ والجغرافيا والدين واللغة والمصالح المشتركة، وشهدت علاقاتهما محطات عديدة من التعاون والتقارب، كما مرتا باختلافات وتباينات في بعض المواقف. لكن قيمة العلاقات الاستراتيجية لا تظهر في أوقات الوفاق وحدها، بل في القدرة على إدارة الخلافات، وحماية المصالح المشتركة، والحفاظ على الاحترام المتبادل.
فمصر، بثقلها التاريخي والبشري ومكانتها الإقليمية، والسعودية، بمكانتها الدينية والسياسية والاقتصادية، تمثلان ركيزتين مهمتين في محيطهما العربي. وأي تهديد لاستقرار إحداهما لا يمكن النظر إليه باعتباره شأنًا بعيدًا عن الأخرى، خصوصًا في منطقة تتشابك فيها ملفات الأمن والطاقة والتجارة والملاحة البحرية.
لكن هذه الحقيقة لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها دعوة مفتوحة إلى الحرب، بل باعتبارها مسؤولية مشتركة لمنعها، والعمل على احتواء أسبابها قبل أن تتحول إلى صراع يصعب التحكم في مساراته أو تقدير نهاياته.
التضامن لا يعني أن نبحث عن الحرب
إن الوقوف إلى جانب الأشقاء لا يتعارض مطلقًا مع الدعوة إلى السلام، بل إن الموقف الأكثر نضجًا هو الذي يجمع بين حماية الأمن القومي، والوفاء للروابط التاريخية، والتمسك بالحوار السياسي والدبلوماسي.
ومن هنا، فإن الأمل الذي يتمسك به كل عاقل هو أن تظل الحلول السلمية والدبلوماسية هي الطريق الأول، وأن تُستنفد فرص الوساطة والتفاوض ووقف التصعيد قبل أن تجد المنطقة نفسها أمام مواجهة عسكرية واسعة.
فالحرب ليست مجرد تحرك للقوات أو تبادل للضربات؛ إنها خسائر بشرية، ودماء تُراق، واقتصادات تتضرر، وممرات تجارية تضطرب، وأجيال قد تدفع ثمن قرارات اتُّخذت في لحظات الغضب أو سوء التقدير.
وإذا اندلعت مواجهة إقليمية واسعة، فلن يكون من السهل حصرها في حدود جغرافية معينة، أو ضمان ألا تتداخل فيها أطراف أخرى، أو منع تداعياتها من الوصول إلى دول وشعوب لم تكن ترغب في الدخول إلى هذا الصراع من الأساس.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه المنطقة ليس اختلاف المصالح وحده، بل غياب الحكمة في إدارة هذا الاختلاف، حين تتحول ردود الأفعال غير المسؤولة إلى شرارة قد تشعل حريقًا لا يستطيع أحد إطفاءه.
اللغة والعقيدة.. جسور للتقارب لا وقود للصراع
إن ما يجمع الشعوب العربية أكبر من خلافاتها السياسية، وما يجمع المسلمين من قيم الأخوة والتراحم والتعاون ينبغي أن يكون حافزًا لحماية الأرواح وصيانة الاستقرار، لا ذريعة لتوسيع دوائر العداء.
فاللغة العربية ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل وعاء لتاريخ وثقافة ووجدان مشترك. والعقيدة، بما تحمله من قيم العدل والرحمة وصون النفس، تضع على الجميع مسؤولية أخلاقية في تجنب الظلم والاعتداء، والبحث عن سبل الإصلاح والتفاهم.
ولا يجوز أن تتحول هذه الروابط إلى شعارات تُرفع في أوقات الأزمات ثم تُنسى عند أول خلاف. بل ينبغي أن تنعكس في خطاب إعلامي مسؤول، وفي نقاشات شعبية أكثر وعيًا، وفي رفض واضح لكل ما من شأنه تأجيج الكراهية بين الأشقاء.
إننا بحاجة إلى أن يسمع المصري من السعودي خطابًا يحفظ كرامة مصر وشعبها، وأن يسمع السعودي من المصري موقفًا يحترم المملكة وأمنها وسيادتها. فالعلاقات القوية لا تُبنى على المزايدة، وإنما على الاحترام المتبادل، والصدق، والإدراك العميق بأن مصالح الشعوب لا تتحقق بإهانة بعضها بعضًا.
مسؤولية القيادات.. أن تحمي الأوطان من الانزلاق
في مثل هذه الظروف، تتضاعف مسؤولية القيادات السياسية؛ فالقوة الحقيقية لا تكمن في القدرة على اتخاذ القرار الصعب فحسب، وإنما في القدرة على تقدير توقيته وعواقبه، واختيار الوسيلة التي تحقق الأمن بأقل كلفة ممكنة على الإنسان والدولة والمنطقة.
ومن حق الدول أن تحمي أمنها وسيادتها، وأن تتخذ الإجراءات المشروعة اللازمة للدفاع عن أراضيها وشعوبها. لكن من واجب الجميع أيضًا أن يميز بين الدفاع الضروري والتصعيد غير المحسوب، وأن يدرك أن أي قرار عسكري كبير يجب أن يستند إلى تقدير دقيق للمخاطر، وأهداف واضحة، ومسار سياسي يفتح الباب أمام احتواء الأزمة وإنهائها.
وهنا تبرز أهمية أن تتكامل الجهود المصرية والسعودية والعربية مع المساعي الدبلوماسية الإقليمية والدولية، وأن تكون حماية المدنيين، وتأمين الملاحة، ومنع اتساع الصراع، أهدافًا مشتركة لا تختلف عليها الأطراف التي تريد مستقبلًا أكثر استقرارًا للمنطقة.
فلا مصلحة لمصر في أن تنزلق المنطقة إلى حرب تستنزف مواردها وتضغط على اقتصادها وأمنها، ولا مصلحة للسعودية في أن تصبح بيئتها الإقليمية ساحة لصراع مفتوح يستنزف مقدراتها ويهدد استقرارها. ولا مصلحة للشعوب العربية والإسلامية في أن تدفع أثمانًا باهظة لصراعات كان من الممكن احتواؤها بالحوار والتفاهم.
رسالة إلى الشعبين المصري والسعودي
إلى أشقائنا في المملكة العربية السعودية، نقول إن ما يجمعنا أكبر من اللحظة الراهنة، وإن أمن المملكة واستقرارها أمران يحظيان باهتمام المصريين وحرصهم على بقاء العلاقات بين البلدين قوية ومتينة.
وإلى أبناء الشعب المصري، نقول إن التضامن مع الأشقاء لا يعني التخلي عن الحكمة، وإن الاعتزاز بالوطن لا يتعارض مع الدعوة إلى السلام، وإن الموقف الوطني المسؤول هو الذي يجمع بين حماية المصالح المصرية والوقوف إلى جانب الأشقاء، وبين الحرص على ألا تنزلق المنطقة إلى حرب لا تُعرف حدودها ولا نتائجها.
وإلى كل صاحب رأي أو قلم أو منصة إعلامية، فإن الكلمة في أوقات الأزمات قد تكون جسرًا للتهدئة، وقد تتحول إلى أداة للتحريض. فلنختر ما يقرب ولا يفرق، وما يطفئ النيران ولا يزيدها اشتعالًا، وما يحفظ كرامة الشعوب بدلًا من الإساءة إليها.
فليس مطلوبًا من المصري والسعودي أن يتطابقا في كل رأي، ولكن المطلوب أن يختلفا دون إساءة، وأن يتحاورا دون تخوين، وأن يتذكرا أن ما يجمعهما من تاريخ ومصالح وروابط إنسانية يستحق الحماية من نزوات اللحظة وانفعالاتها.
أخيرًا.. نريد تضامنًا يحمي الأوطان ويمنع الحرب
إن تضامن الشعب المصري مع المملكة العربية السعودية، كما نتمناه، ليس مجرد تأييد لموقف سياسي، ولا تعبيرًا عاطفيًا عابرًا، بل هو تعبير عن أخوة حقيقية ومسؤولية عربية مشتركة. وهو في الوقت ذاته تضامن لا يتناقض مع التمسك بالحلول السلمية، بل يستمد منها جزءًا أساسيًا من معناه وقيمته.
نريد أن تبقى مصر قوية وآمنة، وأن تبقى السعودية مستقرة ومطمئنة، وأن تظل العلاقات بين الشعبين نموذجًا للأخوة التي تصمد أمام الأزمات. ونريد أن تنتصر لغة العقل على لغة التهديد، وأن تتقدم الدبلوماسية على التصعيد، وأن يكون الحوار هو الخيار الأول والأخير ما دامت هناك فرصة حقيقية لإنقاذ الأرواح وتجنب المواجهة.
فالأوطان لا تُقاس قوتها بقدرتها على خوض الحروب وحدها، وإنما بقدرتها أيضًا على منع الحروب التي لا ضرورة لها، وحماية شعوبها من أثمانها، وصناعة مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا لأجيالها القادمة.
لسنا ضد التضامن، بل نؤمن به. ولسنا ضد حماية الأشقاء، بل نرى فيها واجبًا أخلاقيًا وعربيًا. لكننا نأمل أن يكون التضامن قوةً تصنع السلام، لا وقودًا لحرب جديدة، وأن تكون الحكمة هي المنتصرة قبل أن تُرفع رايات الحرب.
ففي الحروب الإقليمية الكبرى، قد يعلن طرف انتصاره في معركة، لكن الخسارة الحقيقية قد تمتد إلى شعوب بأكملها. أما الانتصار الأسمى، فهو أن نحمي أوطاننا، ونصون دماءنا، ونحفظ أخوتنا، ونمنع المنطقة من السقوط في مستنقع لا يخرج منه أحد منتصرًا.
حفظ الله مصر والسعودية وسائر بلاد العرب والمسلمين، وجنّب شعوبنا ويلات الحروب، وجعل الحوار والحكمة طريقنا إلى الأمن والسلام.



