«جولة وطن» تنطلق من الأحساء وتستهدف بنسختهاالأولى ١٢مدينة ومعلم ثقافي
تِلاد ينظّم مبادرة ثقافية وطنية مستدامة..

الأحساء – أمل حمدان
في خطوة تعكس توجهًا نحو صناعة ثقافية وطنية مستدامة، أطلق نادي تِلاد الثقافي مبادرة «جولة وطن»، التي تتخذ من الموروث السعودي وتنوعه الحضاري والثقافي منطلقًا لبناء تجربة ميدانية توثّق ذاكرة المكان، وتستكشف حكايات الإنسان، وتبرز التجارب الثقافية والفنية في مناطق المملكة، لتكون الأحساء محطتها الأولى في مسار وطني يستهدف تحويل الثقافة من فعاليات عابرة إلى أثر معرفي وتوثيقي ممتد.

وتأتي المبادرة ضمن رؤية نادي تِلاد الثقافي في تعزيز حضور الثقافة السعودية، والتعريف بمقوماتها التاريخية والاجتماعية والفنية، من خلال جولات ميدانية تتجاوز حدود الزيارة التقليدية إلى استكشاف المواقع، والالتقاء بأصحاب التجارب، وتوثيق الموروث المادي وغير المادي، وإنتاج محتوى ثقافي يحفظ الذاكرة الوطنية ويتيح نقلها إلى الأجيال القادمة.
وتُنفذ المبادرة بالشراكة مع نادي مدار الثقافي، في نموذج للتكامل بين المؤسسات الثقافية، وتوحيد الجهود في خدمة الموروث الوطني، وتوسيع نطاق التعريف بالتجارب المحلية، بما يعزز حضورها في المشهد الثقافي السعودي.
الأحساء.. انطلاقة من عمق الموروث الوطني
اختار نادي تِلاد الثقافي الأحساء لتكون نقطة انطلاق المبادرة، لما تمتلكه من إرث تاريخي عريق، وتنوع ثقافي واجتماعي وفني، ومقومات حضارية تعكس ثراء الهوية السعودية وامتدادها عبر الأجيال.
وتتخذ الجولة من الأحساء مساحة لاستكشاف العلاقة بين الإنسان والمكان، ورصد التفاصيل التي صنعت خصوصية المنطقة، بدءًا من المعالم التاريخية والمواقع التراثية، مرورًا بالعادات والتقاليد والموروث الغذائي، وصولًا إلى التجارب الفنية والمؤسسات الثقافية التي تسهم في إثراء الحراك المحلي.

وشملت الجولة عددًا من المحطات المتنوعة، من بينها قهوة السيد التراثية، والتعرف على تجربة الخبز الحساوي مع العم أبو فهد الربيع، وزيارة عين الخدود وقصر إبراهيم التاريخي، إلى جانب محطات ثقافية وفنية واجتماعية، منها دار بسمة، وتجربة الفنانة تغريد البقشي، وديوانية المستشار عبدالعزيز العمير، ومركز النخلة بإشراف المهندس عبدالله الشايب.
كما تضمنت الجولة زيارة دار نورة الموسى الثقافي، للتعرف على تجربتها في احتضان الأنشطة الثقافية والفنية، ودورها في توفير مساحات داعمة للإبداع والتواصل الثقافي.
وقد عكست هذه المحطات تنوع المشهد الأحسائي، والتقت فيها شواهد التاريخ مع تفاصيل الحياة الاجتماعية، وتجاورت فيها الممارسات التراثية مع التجارب الإبداعية المعاصرة، في قراءة ميدانية تؤكد أن الثقافة منظومة متكاملة تتشكل من المكان والإنسان والذاكرة والإبداع.
شراكة ثقافية تصنع التكامل
وتجسد الشراكة بين نادي تِلاد الثقافي ونادي مدار الثقافي توجهًا نحو بناء مشاريع ثقافية مشتركة تتجاوز حدود التنظيم إلى تبادل الخبرات وتكامل الأدوار، بما يخدم أهداف المبادرة ويعزز استدامة أثرها.
ويشرف على المبادرة الدكتورة أمل حمدان الشريف والأستاذ عقيل العنزي، مؤسسا نادي تِلاد الثقافي، بالشراكة مع نادي مدار الثقافي برئاسة الأستاذ جاسم الزيد، وبمشاركة حنين أبوسلامة، سفيرة تِلاد في الدمام.
ويعكس هذا التعاون أهمية الشراكات الثقافية في اكتشاف التجارب المحلية وتوثيقها، وربط المبادرات بالمجتمعات التي تنطلق منها، وإيجاد مساحات أوسع للتعريف بالموروث الوطني ومقوماته الإبداعية.
كما يفتح المجال أمام بناء شبكة من العلاقات الثقافية التي تدعم تبادل المعرفة والخبرات، وتمنح المبادرات الوطنية فرصًا أكبر للتوسع والوصول إلى شرائح متنوعة من المهتمين بالثقافة والتراث والفنون.
التوثيق.. من ذاكرة المكان إلى المحتوى الوطني

يمثل التوثيق أحد المسارات الأساسية في مبادرة «جولة وطن»، إذ لا تكتفي الجولة بالتعريف بالمواقع والتجارب، بل تسعى إلى حفظ تفاصيلها وتقديمها في محتوى ثقافي يبرز قيمتها التاريخية والاجتماعية والفنية.
وقد أسهم المصوران مجتبى الحاجي وحسين الباشا في توثيق محطات الجولة بصريًا، بما يعزز حضور الصورة في نقل تفاصيل المكان، وإبراز ملامحه، وحفظ مشاهد من الموروث المحلي والتجارب الثقافية التي تحتضنها الأحساء.
وتستند هذه الرؤية إلى أهمية بناء ذاكرة ثقافية موثقة، تجمع بين الصورة والمعلومة والحكاية، وتتيح إعادة تقديم التجارب المحلية عبر المنصات الإعلامية والثقافية، بما يحفظ تفاصيلها ويعزز حضورها في الوعي المجتمعي.
فالموروث لا يقتصر على المباني والمعالم التاريخية، بل يشمل أيضًا المهارات والحرف والعادات والتقاليد والتجارب الإنسانية التي تمنح كل منطقة خصوصيتها الثقافية.
من جولة ميدانية إلى مبادرة مستدامة
تتجاوز «جولة وطن» مفهوم الزيارة الثقافية المؤقتة، لتطرح نموذجًا للعمل الثقافي القائم على الاستكشاف والتوثيق والشراكة، وربط المعرفة بالميدان، وإنتاج محتوى يمكن البناء عليه في مشاريع ثقافية مستقبلية.
وتستند استدامة المبادرة إلى توثيق التجارب المحلية، والتعريف بأصحابها، وإبراز المبادرات التي تسهم في حفظ التراث وتنمية الإبداع، بما يتيح تراكم المعرفة وتوسيع أثرها مع انتقال الجولة بين مناطق المملكة.
ومن هذا المنطلق، تمثل الأحساء بداية لمسار وطني يهدف إلى استكشاف تنوع المملكة الثقافي، وتسليط الضوء على ثراء مناطقها، وإبراز ما تمتلكه من إرث تاريخي وتجارب إنسانية ومبادرات إبداعية تستحق التوثيق والتعريف.
كما تؤكد المبادرة أهمية الانتقال من قياس العمل الثقافي بعدد الفعاليات إلى النظر في قيمة محتواه، وجودة توثيقه، واتساع أثره، وقدرته على بناء معرفة مستدامة تصل إلى المجتمع والأجيال القادمة.
تِلاد.. ثقافة بهوية وطنية وأثر ممتد
تؤكد مبادرة «جولة وطن» توجه نادي تِلاد الثقافي نحو تقديم مشاريع نوعية تستلهم الهوية السعودية، وتستكشف موروثها، وتربط أصالة الماضي بآفاق الإبداع المعاصر، من خلال برامج ميدانية تقوم على الشراكة والتوثيق وتبادل الخبرات.
ومن الأحساء، تبدأ رحلة ثقافية تحمل رسالة تتجاوز حدود المكان، لتؤكد أن لكل منطقة حكاية تستحق أن تُروى، ولكل تجربة قيمة تستحق أن تُوثّق، ولكل إرث مسؤولية في حفظه ونقله إلى المستقبل.
«جولة وطن» ليست مجرد انتقال بين المواقع، بل رحلة لاكتشاف الذاكرة الوطنية، وتوثيق حكايات الإنسان والمكان، وصناعة أثر ثقافي مستدام يمتد من الأحساء إلى مختلف مناطق المملكة.



