إعلان مدفوع

إعلان
اعلانك يحقق اهدافك لاتتردد
مقالات و رأي

منبع الوعي وبوصلة التاريخ

د.محمد بن صالح الشيبي

‎حين يلتفت المنصف إلى خريطة المشرق العربي، يرى عراقة حضارات وادي الرافدين، ووادي النيل، والشام واليمن. غير أن الميزان الفكري يصاب بخلل فادح، حين يراد أن يقنع بأن الجزيرة العربية كانت مجرد صحراء صامتة لم تشهد دورة الزمن؛ إن هذا الاختزال لا يعدو أن يكون قصوراً في القراءة، أو حيداً عن جادة الإنصاف المعرفي.
‎تتبع مسيرة الفكر يرينا أن حواضر الجزيرة العربية كانت تموج بحياة اجتماعية مؤثرة؛ فمملكة كندة، قرية الفاو، وحضارة اليمامة، كانت مراكز تجارية وأدبية. هنا تشكل اللسان والأخلاق؛ فعلى هذه الصخور نظمت المعلقات، وترددت أصداء الفروسية، وشعرية امرئ القيس، وحكمة أكثم بن صيفي، وكرم حاتم الطائي.
‎ومع هذا الثراء الثقافي تتكامل الجغرافيا؛ إذ تمتد مدرجات جازان الزراعية، وجبال السروات في عسير والباحة، وسهول تهامة الخصبة، وواحات الأحساء والجوف الممتدة، على أن هذه الأرض كانت منبعاً للحياة والزراعة والاستقرار. هذا الثراء البيئي هو الذي غذى طرق القوافل الكبرى، وجعل من أودية نجد مراكز جذب استراتيجي ربطت قارات العالم القديم ببعضها البعض في شبكة تجارية.
‎وعلى امتداد طرق هذه القوافل، تتجلى مملكة دادان ولحيان في العلا، دادان قديماً، التي كانت عاصمة لواحد من أهم المراكز التجارية في الألفية الأولى قبل الميلاد. آثارها في “جبل عكمة” تمثل مكتبة مفتوحة من النقوش والوجوه المنحوتة التي توثق القوانين، والطقوس، والضرائب، واللغات العربية القديمة التي سبقت الخط العربي الحالي. وفي الواجهات الصخرية لدادان، توجد مقابر الأسود المنحوتة في أعالي الجبال يزين واجهاتها نحت بارز لأسود، يعكس القوة السياسية والنفوذ العسكري ومستوى الرفاهية والهندسة المعمارية الرفيعة لتلك الممالك. كما يبرز جبل عكمة كشق صخري شاهق يحوي مئات النقوش بالخطوط الدادانية واللحيانية والثمودية والنبطية، توثق تفاصيل الحياة اليومية والرحلات التجارية عبر الصحراء. وصولاً إلى طنطورة العلا، وهي مزولة شمسية هرمية الشكل مبنية من الطوب والطين في البلدة القديمة، يعتمد عليها الأهالي كبوصلة فلكية دقيقة لتحديد دخول الفصول، وخاصة المربعانية الشتوية، وبتوقيتها يتم تنظيم وتوزيع حصص مياه العيون الجارية عبر قنوات الخراز ومطاليعها التحت أرضية المتواجدة في كل عين لتأمين الصيانة والتدفق.
‎وتتصل بحزام الشمال آثار دومة الجندل، ومملكة قيدار، وأعمدة الرجاجيل، وقلعة زعبل، ما هي إلا شواهد حية على هندسة مدنية رفيعة وقاومت عاديات الزمن. هذه الممالك العربية القديمة شقت الصخر وصنعت الحضارة بالتزامن مع كبريات الحضارات الإنسانية، وربطت جغرافيا المنطقة بامتدادات تاريخية وثيقة.
‎ومن هذا الامتداد، انطلقت الرسالة الإسلامية؛ إذ خرج من هذه الجزيرة رجال أسسوا مجتمع العلم، وأسقطوا الإمبراطوريات، ومدوا لواء الفكر من مشارف الصين وأواسط آسيا وصولاً إلى الأندلس.
‎وهنا تحضن الأرض منبع البشرية، بدءاً من الكعبة المشرفة كأول بيت وضع للناس، مروراً بلقاء آدم وحواء عليهما السلام. إن الاعتزاز بحضارات الأمم لا يكتمل إلا بإنصاف الجزيرة العربية؛ فالأرض التي شهدت فجر البشرية لا يمكن لجهل أو حقد أن يحجب شمسها الساطعة

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى