خريف المشاعر

الكاتبة/أمل بازيد
كاتبة رأي- ماجستير إرشاد نفسي
لا تفقد الأشجار أوراقها دفعة واحدة، وكذلك الإنسان لا يتخلى عن اندفاعه الأول في لحظة عابرة. تسبق صمتَه أحاديثُ لم تجد صداها، ويسبق ابتعادَه رجاءٌ طويل في البقاء. وحين يقلّ بوحه ويتراجع عطاؤه، فقد يكون قد بلغ خريفًا داخليًا تساقطت فيه توقعاته، وبقيت مشاعره تبحث عن مأمن.
يبدأ هذا الخريف حين يمنح الإنسان أكثر مما تحتمل طاقته، ويؤجل احتياجاته حرصًا على الآخرين. يتفهم انشغالهم، ويلتمس الأعذار لجفائهم، حتى يصبح حضوره مضمونًا. وحين يتعب، يفاجئهم تعبه؛ لأنهم اعتادوا ما يقدمه، ولم ينتبهوا إلى ما يكلّفه.
ولا تنشأ المرارة من أن كل عطاء لم يُقابل بمثله؛ فالمحبة أوسع من حسابات الأخذ والرد. إنما يتراكم الوجع حين يغيب التقدير، ويصبح التفهم مسؤولية طرف واحد، وتُستقبل حاجته إلى المساندة بالضيق أو التجاهل. ومن أثقل ما يمر به أن يطمئن الآخرون إلى وجوده، بينما يظل قلقًا على مكانته لديهم.
وفي معنى الود الصادق، يقول الشافعي:
إذا لم يكن صفو الوداد طبيعةً
فلا خير في ودٍّ يجيء تكلُّفا
في البداية يعاتب؛ لأن لديه أملًا في أن يُصلح الكلام ما أفسده الموقف. يوضح ما آلمه، ويمنح فرصة، ويصدّق وعدًا. لكن تكرار الأذى بعد المصارحة يُضعف ثقته بجدوى المحاولة؛ فما يؤلمه أصبح معلومًا، ومع ذلك لم يجد ما يستحقه من مراعاة.
وهكذا يقصر حديثه، وتقل مبادراته، ويمرّ بموقف كان سيعاتب عليه فيكتفي بالصمت. قد يبدو أقل تأثرًا، فيما يكون قد تعب من شرح مشاعره وانتظار الاستجابة. وربما افتقد عفويته، لكنه يخشى أن يعيده القرب إلى الوجع ذاته.
غير أن كل ابتعاد لا يعني تعافيًا؛ فقد تمنح المسافة فرصة لاستعادة التوازن، وقد تتحول إلى عزلة تحرم الإنسان من قرب يحتاجه. يبدأ التعافي حين يفهم احتياجاته، ويعبّر عنها، ويعتذر عما يفوق طاقته، ويدرك أن إصلاح العلاقة يحتاج إلى رغبة متبادلة.
وحين يراجع اختياراته، لا يحتاج إلى معاقبة نفسه على صدقها. يستطيع أن يحتفظ بكرمه ويختار موضعه، وأن يمنح الثقة وقتًا تؤكده الأفعال. ولعل أجمل ما يستعيده بعد هذا الخريف أن يصبح عطاؤه اختيارًا يطمئن إليه، وقربه مساحة يستريح فيها.
همسة أمل
دع التوقعات التي أرهقتك تتساقط، واعتنِ بالجذور التي بقيت فيك؛ فمنها يبدأ اخضرار جديد ..



