إعلان مدفوع

إعلان
اعلانك يحقق اهدافك لاتتردد
مقالات و رأي

من هو الإعلامي الحقيقي؟

✍🏽 أحمد القاري

في عالمٍ تتسابق فيه الأصوات، وتزدحم فيه المنصّات، وتشتبك فيه الحقيقة مع زيفٍ يتخفّى في هيئة خبر ؛ يبقى السؤال قائماً : من هو الإعلامي الحق؟ ومن هو الذي يستحق أن يُحمَّل أمانة الكلمة، ويُؤتمن على وعي الناس، ويُمنح حقّ مخاطبة العقول قبل الآذان؟
الإعلامي – في جوهره – ضميرٌ ناطق، ومسؤوليةٌ تمشي على قدميها، وصوتٌ لا يخون الحقيقة مهما ضاقت به الطرق، وليس صورةً تلمع، ولا مقطعاً ينتشر، ولا حضوراً يقف على منصة ثم ينصرف.
هو ذاك الذي يُمسك الحقيقة بيد، والوعي باليد الأخرى.. يبحث، يتحقق، يوازن، ثم يقدّم المعلومة للناس كما لو كان يضعها بين يدي وطن.
هو الذي يعرف أن الكلمة قد تبني، وقد تهدم.. وأن الجملة التي تُقال في ثانية قد تُشعل رأياً عاماً، أو تشكّل وعياً جديداً، أو تُربك عقولاً تبحث عن النور ! لذلك ، لا يحمل لقب “إعلامي” إلا من كان أهلاً للضياء، لا عاشقاً للأضواء.

في زمن الهواتف الذكية، صار التصوير يسيراً، والنشر أسهل، لكن السهولة لا تمنح الشرف المهني، فليس كل من التقط مشهداً أصبح إعلامياً، ولا كل من كتب مقالاً صار صاحب رسالة، ولا كل من ركب موجة “الترند” أصبح مؤثراً يستحق أن يُتّبع.
إن الإعلام مهنة.. وفكر.. ووعي.. وثقافة.. وانضباط.

قد يؤلف الكاتب كتباً عميقة، لكنه يبقى مؤلِفاً لا إعلامياً، ما لم يمارس دور الإعلام في بحثه ونقله وتحليله، وقد يصدح الشاعر في المحافل، فتتبع القصيدة صدىً من الإعجاب، لكنه يبقى شاعراً لا إعلامياً، ما لم يتحول صوته إلى أداة وعي وممارسة إعلامية واضحة.

فالشّهرة لا تكون بطاقة عبور للمهنة، والإبداع الأدبي ليس امتداداً تلقائياً للإعلام، والتفريق بينهما دقيق يدرك معناه الإعلامي الجيد.

الإعلامي الذي يستحق اسمه هو من لديه:

١. صدق لا يتلوّن، فالخبر بلا أمانة يصبح سُمّاً تنفثه كلمات.

٢. علم ومعرفة، فكيف يوجّه الرأيَ العام من يجهل ما وراء الخبر؟

٣. لغةٌ تحفظ هيبتها، لأن الإعلامي سفيرٌ للحرف، وصوته مرآة لأخلاقه.

٤. وعيٌ بالزمن والحدث، يدرك أثر المعلومة، ويعرف أن كل ما يقوله يُبنى عليه رأيٌ واتجاه.

٥. حس إنساني، فيعرف متى يصمت، ومتى يتكلم، وكيف يضع الكلمة في موضعها الذي لا يجرح ولا يضلّل.

الإعلامي الحقيقي يقدّم فهماً، لا حدثاً عابراً، بل يسعى إلى ما وراء الحدث، ولا يكتفي بصورة، وإنما يصنع وعياً يُبنى عليه موقفٌ واتجاه، فهو جزء من صناعة الرأي، وصانع لمستقبل الوعي.

والإعلامي العربي يجب أن يكون ثابتاً في زمن يتغير كل شيء فيه، رصيناً حين تُغري الشهرة، هادئاً حين تعلو الأصوات، وصادقاً حين يتداخل الحق بالباطل، وعليه أن يتصف بقوة اللغة، وسعة الثقافة، وشرف الموقف، مع عمق التحليل، والقرب من الناس، فما كلُّ من بهر ظهر، ولا كل من رفع الهاتف رفع الوعي.. الإعلامي الحقيقي هو ذاك الذي إذا نطق صدّقته، وإذا كتب اطمأننت له، وإن أخطأ تراجع معتذراً فوجب احترامه.. ذلكم هو الإعلامي الذي يليق بالمشهد العربي، وتليق به أمانة الكلمة، ويليق أن يُكتب اسمه في ضوء الحقيقة.. فهل أنت إعلامي حقيقي؟

مقالات ذات صلة

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى