مقالات و رأي

بين وهم التنبؤ ووعي القرار: كيف يقود الإسلام عقل القائد؟

بقلم / البروفيسور فيصل عبدالقادر بغدادي
أستاذ جامعي سابق في علوم البيولوجي
مستشار التخطيط الإستراتيجي والقيادة
هذا الزمن الذي تتسارع فيه التحولات، وتزداد فيه حالة عدم اليقين، يكثر من يقدم نفسه بوصفه متنبئاً بالمستقبل أو مدعياً القدرة على كشف ما سيحدث للأفراد أو المجتمعات. ويجد هذا الخطاب رواجاً ملحوظاً ليس لقوته المعرفية، بل لأنه يخاطب قلق الإنسان العميق من المجهول وتوتراته، غير أن السؤال الأهم الذي كان ومازال يشغلني وينبغي طرحه، خاصة في سياق القيادة وصناعة القرار، هو هل التنبؤ حقيقة يمكن البناء عليها، أم لعبة نفسية تُغلف الوهم بثوب الراحة والإطمئنان؟

وعند التأمل العميق، نجد أن ما يُسمى بالتنبؤ ينقسم إلى مسارين مختلفين جذرياً .

-المسار الأول هو إدعاء معرفة الغيب والعياذ بالله وهو مسار حقيقة قديم ولكنه يتجدد بأدوات حديثة، كالأبراج وقراءة الطاقة وتحليل الطالع.. وهذا النوع لا يقوم على علم، ولا على منطق بل على الإيحاء النفسي والعبارات العامة، وإستغلال حاجة الإنسان للتفسير السريع. وهو، وإن كان يبدو جذاباً ، إلا أنه لا يصمد أمام الإختبار العقلي أو الأخلاقي.

-أما المسار الثاني، فهو الإستشراف والتحليل، وهو ما تمارسه القيادات الواعية وصناع القرار الحقيقيون. هنا لا يوجد إدعاء يقين، بل قراءة للمعطيات وتحليل للإتجاهات، وبناء شامل للسيناريوهات المحتملة ، وهذا الفرق في الواقع ليس لغوياً بل جوهرياً لأن الأول يعطل العقل، بينما الثاني يفعله.

لكن الحقيقة المنظور الإسلامي يحسم هذا الإلتباس بوضوح. فالإسلام يرفض رفضاً قاطعاً إدعاء معرفة الغيب ويضعه في دائرة المحظور العقائدي .. يقول الله تعالى وهو أعز من قائل﴿قُل لا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾.صدق الله العظيم..
لكن هذا الرفض لا يعني أبداً إلغاء التفكير في المستقبل بل على العكس الإسلام يدعو إلى التدبر، والنظر في السنن وربط الأسباب بالنتائج فهو يحرر الإنسان من الوهم لا من العقل.

وفي هذا الإطار الحساس تتجلى فلسفة القيادة في الإسلام بإعتبارها قيادة واعية لا غيبية. فالقائد المسلم لا ينتظر إشارات غامضة ولا يبني قراره على نبوءات بل على فهم الواقع وإستشارة أهل الخبرة، وتقدير العواقب ثم التوكل على الله عزوجل.. وهذا المنهج هو ذروة النضج القيادي لأنه يجمع بين العقل والإيمان، وبين التخطيط والثقة بالله.

وقد جسد نبينا العظيم عليه أفضل الصلاة وأتم السلام هذا النموذج بأعلى درجاته فقد كان تخطيطه دقيقاً وإستعداده محكماً ، وإدارته للمخاطر واعية، دون أن يدعي معرفة ما سيحدث مستقبلاً حيث كان يأخذ بالأسباب وكأنها كل شيء، ثم يتوكل على الله وكأنها لا شيء. وهذه معادلة قيادية عميقة جداً وهي التي تحتاجها المجتمعات المعاصرة.

وفي عالم القيادة وصناعة القرار، التنبؤ بالمعنى الغيبي يُعد خطراً إستراتيجياً لأنه ينقل القائد من موقع الفاعل إلى موقع المتلقي، ومن موقع المسؤولية إلى موقع الإنتظار.. بينما الإستشراف الإستراتيجي يعيد للقائد دوره الحقيقي: آلا وهو صناعة القرار في ظل عدم اليقين..فالقائد لا يُقاس بقدرته على معرفة المستقبل بل بقدرته على التعامل معه مهما كانت مفاجآته.

إن أخطر ما في ثقافة التنبؤ الشائعة أنها تضعف الإرادة الفردية والجماعية. فعندما يعتقد الإنسان أن مستقبله مرهون بتوقعات مسبقة، تتراجع المبادرة، ويضمحل الإبداع، ويُبرر الفشل. وهذا يتناقض مع جوهر القيادة، التي تقوم على تحمل المسؤولية، وصناعة الخيارات وتحمل تبعاتها.

لكن القيادة الواعية، من منظور إسلامي وإستراتيجي لا تبحث عن الطمأنينة الزائفة بل عن الحقيقة القابلة للعمل. القيادة الواعية لا تسأل ماذا سيحدث؟ بل تسأل ماذا ينبغي أن نفعل؟ وهي تدرك أن المستقبل لا يمنح لمن ينتظره بل لمن يستعد له.

ويمكن القول أن التنبؤ، بصورته الرائجة، أقرب إلى لعبة نفسية، بينما الإستشراف علم ، والقيادة مسؤولية. . والإسلام، حين حرم إدعاء الغيب لم يغلق باب المستقبل، بل فتح باب الوعي. فالقائد الحقيقي لا يطلب من يخبره بما سيحدث، بل يسعى لأن يكون هو جزأً ممن يصنعون الحدث..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى