التكنولوجيا

تسخير ثورة الذكاء الاصطناعي في الإعلام العربي

تشهد صناعة الإعلام العالمية تحولًا جذريًا مدفوعًا بالذكاء الاصطناعي، إذ يتوقع تقرير «برايس ووترهاوس كوبرز» (PwC) أن يضيف الذكاء الاصطناعي قرابة خمسة عشر تريليون وسبعمئة مليار دولار إلى الاقتصاد العالمي بحلول عام 2030، مع حصة كبيرة لقطاعات المحتوى والإعلام والإعلان. ويأتي هذا التحول في وقت يواجه فيه الإعلام العربي تحديات بنيوية تتعلق بانخفاض العوائد الإعلانية التقليدية، وتشتت الجمهور، وتآكل الثقة، مما يجعل توظيف الذكاء الاصطناعي ليس ترفًا تقنيًا، بل خيارًا إستراتيجيًا مرتبطًا ببقاء المؤسسات وقدرتها على المنافسة إقليميًا ودوليًا.

تشير تقديرات تقارير عربية ودولية إلى أن نسبة إنفاق المؤسسات الإعلامية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على أدوات الذكاء الاصطناعي لا تزال أقل من خمسة في المئة من إجمالي إنفاقها التقني، مقارنة بنسب تصل إلى عشرين في المئة في مؤسسات غربية رائدة. مع ذلك، أعلنت حكومات عربية مثل الإمارات والسعودية وقطر إستراتيجيات وطنية للذكاء الاصطناعي، وبدأت مؤسسات إعلامية كبرى في المنطقة تجارب ملموسة في غرف الأخبار المعززة بالذكاء الاصطناعي، ما يفتح نافذة فرصة لبناء نموذج عربي مختلف للإعلام الذكي إذا استوعب صانعو القرار حجم التحول ووضعوا له خريطة طريق واضحة.

تستعرض هذه المادة قراءة معمقة لكيفية تسخير ثورة الذكاء الاصطناعي في مسيرة الإعلام العربي، من خلال تحليل الواقع الراهن، واستعراض التطبيقات العملية، وبيان التحديات الأخلاقية والمهنية، ثم رسم ملامح رؤية إستراتيجية وخريطة طريق قابلة للتنفيذ على مستوى المؤسسات والهيئات التنظيمية.

من الصحافة الورقية إلى غرف الأخبار الذكية

شهد الإعلام العربي خلال العقود الأربعة الماضية ثلاث موجات تحول رئيسية؛ الأولى مع انتشار الفضائيات في التسعينيات، والثانية مع صعود الإنترنت ومواقع الأخبار في العقد الأول من الألفية، والثالثة مع انفجار شبكات التواصل الاجتماعي منذ قرابة عام 2010. واليوم يتجه القطاع نحو موجة رابعة محورها الذكاء الاصطناعي التوليدي والتحليلي، بما في ذلك نماذج اللغة الكبيرة، وخوارزميات التوصية، وأدوات المعالجة الآلية للفيديو والصوت.

استفادت مؤسسات إعلامية عالمية من الموجة الماضية مبكرًا؛ إذ استخدمت وكالة «أسوشيتد برس» منذ عام 2014 خوارزميات لإنتاج أخبار مالية وروتينية، واستعانت «واشنطن بوست» بنظام «Heliograf» خلال انتخابات 2016 لتوليد تقارير آلية عن النتائج المحلية. أما اليوم، فقد انتقل النقاش عالميًا من استخدام محدود لأدوات الأتمتة إلى إعادة تصميم كاملة لسير العمل الصحفي اعتمادًا على الذكاء الاصطناعي، من جمع البيانات إلى النشر وتخصيص المحتوى للفرد الواحد.

في العالم العربي، تبنت بعض المؤسسات الكبرى في دول الخليج وشمال إفريقيا أدوات ذكاء اصطناعي في جوانب متفرقة مثل أرشفة المحتوى، وإدارة منصات التواصل الاجتماعي، وإنشاء ترجمات آلية. إلا أن الاستخدام لا يزال غالبًا تجريبيًا أو مجزأً، ولا يرتقي إلى مستوى إستراتيجيات غرف أخبار “مأجورة بالبيانات” أو “معززة بالذكاء الاصطناعي” كما تصفها المؤسسات الغربية. ويظهر الفارق بوضوح عند مقارنة نسب الاعتماد على أدوات التحليل الآلي في اتخاذ القرارات التحريرية؛ إذ تشير تقارير مهنية إلى أن أكثر من ستين في المئة من غرف الأخبار في أوروبا وأمريكا الشمالية تستخدم تحليلات متقدمة لاتخاذ قرارات تتعلق بالموضوعات والعناوين وتوقيت النشر، مقابل نسب أقل كثيرًا في العالم العربي.

هذا الوضع يطرح سؤالًا محوريًا: كيف ينتقل الإعلام العربي من مرحلة التجارب المنعزلة إلى نموذج مؤسسي متكامل لتسخير الذكاء الاصطناعي ضمن رؤية واضحة المعالم وخريطة طريق عملية؟

تطبيقات عملية: كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي العمل الصحفي؟

يدخل الذكاء الاصطناعي اليوم في معظم مراحل دورة إنتاج المحتوى، من الرصد إلى التوزيع والتفاعل مع الجمهور. ويمكن تقسيم مجالات تطبيقه في الإعلام العربي إلى محاور رئيسية تشكل معًا أساس التحول الرقمي العميق.

أولًا: رصد الأخبار والتحقق من المحتوى

يستطيع الذكاء الاصطناعي تحليل كميات ضخمة من البيانات من منصات التواصل الاجتماعي، ووكالات الأنباء، والمصادر المفتوحة في الزمن الحقيقي، لاكتشاف القصص الصاعدة والاتجاهات العامة. تعتمد العديد من غرف الأخبار العالمية على أدوات تحليل السوشيال ميديا لرصد الهاشتاغات والموضوعات الرائجة، وربطها بمناطق جغرافية أو فئات سكانية محددة.

بالإضافة إلى ذلك، تؤدي تقنيات «رؤية الحاسوب» و«الكشف عن التلاعب الرقمي» دورًا حاسمًا في التحقق من الصور والفيديوهات، مع انتشار ظاهرة «التزييف العميق». طورت مؤسسات بحثية وتقنية أدوات لكشف التلاعب في ملامح الوجه أو تحليل بيانات الصورة الوصفية، ويمكن للإعلام العربي تبني هذه الأدوات أو تطوير حلول محلية، خصوصًا أن المنطقة تشهد بيئات استقطاب سياسي ومعلومات مضللة في أوقات الأزمات.

ثانيًا: الأتمتة الجزئية لكتابة الأخبار

قدّم الذكاء الاصطناعي التوليدي، اعتمادًا على نماذج لغوية كبيرة، إمكانات واسعة في أتمتة كتابة أنواع معينة من الأخبار التي تعتمد على قوالب ثابتة وبيانات رقمية، مثل تقارير نتائج الشركات، ونشرات الطقس، وتغطية المباريات. تسمح هذه الأدوات بإنتاج عدد كبير من المواد النصية في وقت قصير، مع تحرير الصحفيين للتركيز على التحقيقات المعمقة والتحليل والقصص الإنسانية.

أوضحت تجارب عالمية أن نسبة الأخطاء في هذه الأخبار الآلية تكون منخفضة ما دامت البيانات الأولية دقيقة، وأن القراء لا يميزون غالبًا بين النص الذي يكتبه الإنسان والنص الذي تولده الخوارزمية في الأنماط الخبرية البسيطة. غير أن نقل هذه التجربة إلى العالم العربي يتطلب معالجة خاصة للغة العربية بتعقيداتها الصرفية والنحوية، إذ لا تزال نماذج اللغة العربية أقل تطورًا من نظيراتها في الإنجليزية والصينية.

بدأت بعض المنصات العربية الناشئة في استخدام أنظمة توليد نصوص عربية لتلخيص الأخبار أو إعادة صياغتها، كما تظهر تجارب محدودة في مؤسسات كبرى لتوليد “مسودات أولية” يراجعها المحرر قبل النشر. ومع تطور النماذج اللغوية العربية خلال الأعوام المقبلة، يمكن أن توسع المؤسسات هذا الاستخدام مع وضع ضوابط تحريرية واضحة.

ثالثًا: إنتاج الفيديو والصوت والرسوم التوضيحية

لم يعد الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على النصوص؛ إذ ظهرت أدوات قادرة على توليد مقاطع فيديو قصيرة انطلاقًا من نصوص مكتوبة، أو توليد أصوات بشرية قريبة من الطبيعية باللغة العربية بلهجات مختلفة. يمكن للمؤسسات الإعلامية توظيف هذه التقنيات في إنتاج نشرات صوتية يومية (بودكاست آلي)، أو مقاطع “تفسيرية” قصيرة موجهة للشبكات الاجتماعية، أو نسخ مترجمة بصوت آلي لمحتوى مرئي بلغات أخرى.

تشير بيانات سوق البودكاست العالمي إلى نمو سنوي مركب يتجاوز عشرين في المئة في بعض المناطق، بينما يتوقع نمو سوق الفيديو القصير بأرقام أكبر. في هذا السياق، يوفر الذكاء الاصطناعي للإعلام العربي فرصة لزيادة إنتاج المحتوى الصوتي والبصري دون الحاجة إلى مضاعفة الموارد البشرية، مع الحفاظ على حد أدنى من الجودة عندما يخضع المحتوى لمراجعة بشرية.

كما تسهم أدوات توليد الرسوم البيانية والإنفوغرافيك آليًا في تسريع إنتاج المواد التفسيرية، خصوصًا في التغطيات الاقتصادية والبيئية والصحية، إذ يؤدي تبسيط البيانات المعقدة دورًا مهمًا في رفع وعي الجمهور.

رابعًا: التخصيص وإستراتيجيات التوزيع

أحد أهم أوجه الثورة التي أحدثتها المنصات الرقمية في الإعلام هو الانتقال من نموذج “رسالة واحدة لجمهور واسع” إلى نموذج “محتوى مخصص لكل فرد تقريبًا”. تقود خوارزميات التوصية لدى المنصات العالمية مثل فيسبوك ويوتيوب وتيك توك هذا التحول، مستفيدة من بيانات تفصيلية عن سلوك المستخدمين.

يمكن للمؤسسات الإعلامية العربية أن تطور نظم توصية خاصة بها، أو تعتمد منصات جاهزة، من أجل تخصيص الصفحة الرئيسية، والنشرات البريدية، وإشعارات التطبيقات، بحيث يحصل كل مستخدم على محتوى أقرب إلى اهتماماته وسلوكه. أثبتت تجارب دولية أن التخصيص المدعوم بالذكاء الاصطناعي يرفع مدة التفاعل مع المحتوى بنسبة تتراوح بين ثلاثين وخمسين في المئة في المتوسط، ويزيد احتمالات الاشتراك المأجور والتجديد السنوي.

مع ذلك، يتطلب هذا التوجه معالجة دقيقة لقضايا الخصوصية وتحيز الخوارزميات، إذ قد يؤدي التخصيص المفرط إلى “فقاعات معلوماتية” تكرّس الانقسام الاجتماعي عبر تزويد المستخدم بما يؤكد قناعاته السابقة فقط. وهنا يبرز دور غرف الأخبار في موازنة الخوارزميات بقيم التحرير الصحفي.

خامسًا: إدارة غرف الأخبار وتحسين القرارات

يمتد استخدام الذكاء الاصطناعي إلى إدارة الموارد والتحليل المالي داخل المؤسسات الإعلامية. تساعد أدوات التحليل التنبئي في تقدير أداء الموضوعات المختلفة قبل نشرها، والتحكم في توقيت النشر عبر تحليل بيانات الذروة، وتحسين تخصيص الموارد البشرية بين الأقسام، إضافة إلى نمذجة سيناريوهات الإيرادات الإعلانية والاشتراكات.

تشير استطلاعات مهنية أوروبية إلى أن قرابة خمسين في المئة من رؤساء التحرير يتخذون قرارات تحريرية يومية مبنية جزئيًا على لوحات بيانات مدعومة بالذكاء الاصطناعي، تتضمن توقعات معدلات القراءة والتفاعل. ويمكن للمؤسسات العربية أن تستفيد من هذا النهج لتحسين فاعلية محتواها دون التفريط باستقلال القرار التحريري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى