مقالات و رأي

(حين تُزرَع الكلمة في المهد: الثراء اللغوي استثمارٌ مبكِّر في عقل الطفل)

يحيى العلكمي*

ليستِ اللغةُ وسيلةَ تواصلٍ فحسب، وإنما هي البِنيةُ العميقة التي يتشكَّل عبرها الوعي، وتنتظم بها الخبرة، ويُعاد بها تفسيرُ العالم، ومن هنا فإن الحديث عن الثراء اللغوي لدى أطفالنا لا ينبغي أن يُؤجَّل إلى مقاعد الدراسة، وإنما يبدأ منذ الطفولة الأولى، بل منذ الأشهرِ الستةِ الأولى حين يلتقط الرضيعُ النبرات، ويميّز الإيقاع، ويختزن الأصوات في ذاكرةٍ تتخلَّق على مهل ولكن بثبات.

لقد أثبتت الخبرة التربوية أن الطفل الذي يسمع خطابًا ثريًا، متنوعَ المفردات، واضحَ التراكيب، ينمو لديه حسُّ التلقّي نموًا متدرجًا، فيصبح أكثرَ قدرةً على الفهم، وأدقَّ في التقاط الفروق الدلالية بين الكلمات. إن قراءةَ القصص بصوتٍ معبِّر، والحديثَ إلى الطفل بلغةٍ فصيحةٍ مبسطة، وتكرارَ الأناشيد ذات الإيقاع المنضبط، كلُّ ذلك يُنمّي في داخله ذكاءً لغويًا يتساند مع ذكاءاتٍ أخرى؛ كالذكاء السمعيّ، والمنطقي، والاجتماعي.

ولعل من أبرز الشواهد ما نلحظه لدى طلاب مدارس تحفيظ القرآن الكريم؛ فهؤلاء الأطفال يعيشون في بيئةٍ لغويةٍ عاليةِ السقف، يسمعون النصَّ القرآنيَّ بثرائه البياني، ويتدرّبون على مخارج الحروف، ويتعاملون مع مفرداتٍ فصيحةٍ تتجاوز المعجمَ اليوميَّ الدارج. هذا الاحتكاك المبكر بنصٍّ معجز في سبكه ومعناه ينعكس على فصاحتهم، فتجد أحدَهم يعبِّر عن فكرته بجملةٍ متماسكة، ويختار مفردته بوعي، ويستدعي من معجمه ألفاظًا دقيقةً لا تخطر على أقرانه ممن لم يحظوا بالتجربة ذاتها.

وقد لمستُ بنفسي في الميدان التربوي أن نسبةً كبيرةً من طلاب التحفيظ يحققون نتائجَ متقدمةً في اختبارات القدرات العامة، لا سيما في القسم اللفظي، والسرُّ في تقديري يعود إلى ثرائهم اللغوي؛ إذ إن فهمَ التناظرات، واستيعابَ المقروء، وتحليلَ العلاقات بين المفاهيم، كلها مهاراتٌ تتغذى على رصيدٍ لغويٍّ واسع، حين يمتلك الطالبُ معجمًا غنيًا، يصبح أقدرَ على تفكيك السؤال، وربط أطرافه، واستنتاج المعنى الخفي فيه.

إن الاستثمار الحقيقي في أبنائنا لا يبدأ بالوسائل التقنية، وإنما بالكلمةِ الصافية التي تُلقى على مسامعهم منذ نعومة أظفارهم. فلنحدِّثهم، ولنقرأ لهم، ولنُحِطهم ببيئةٍ تسمو بلغتها؛ لأننا بذلك لا ننمّي مفرداتٍ فحسب، وإنما نبني عقولًا قادرةً على الفهم العميق، والتفكير المنظّم، والتعبير الواثق، ومن يزرع الكلمة في المهد، يحصد فكرًا ناضجًا في مستقبل الأيام بعون الله تعالى.
كاتب وتربوي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى